حماية الخليج برؤية استراتيجية جديدة
• لاشك أن الحرب الامريكية الاسرائيليةعلى ايران كشفت الكثير من الاوراق ! فالازمات الكبرى تكشف عادة المعادن مثلما تكشف النوايا! الى جانب انها تكشف الامكانيات في المواجهة سواء بالنسبة للاطراف المتحاربة، او تلك الدول التي تعيبها التداعيات وهي لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب وهنا نقصد دول الخليج العربي، التي وجدت نفسها منذ اليوم الاول ساحة لتلقي الصواريخ والمسيرات، بحجة إستهداف القواعد الامريكية، فيما الضرر الحقيقي وقع على مناطق مدنية وسكنية ومنشآت إقتصادية! وفي الوقت نفسه توجه الدعم الدفاعي الامريكي نحو الكيان الصهيوني، ولم يحرك شيئا فاعلا من قدراته للدفاع او لحماية الخليج الذي استضافت اغلب دوله قواعده العسكرية! وهذا اثار تساؤلا كبيرا لدى الكثيرين عن ماهية الاتفقات العسكرية بين دول الخليج وامريكا! وإن كانت استضافت قواعدها العسكرية قد تحولت الى خطر حقيقي على الدول التي تستضيفها، طالما هي لا تحرك ساكنا سواء للدفاع أو لحماية هذه الدول في وقت الحرب التي هي ليست طرفا فيها، وإنما متلقية لصواريخ الطرف الذي يحاربها ويهاجم دولنا باسم وجود قواعدها!
• هذه الحرب التي تتدحرج نحو الفوضى في ظل الانقسام السياسي والعسكري داخل ايران بعد مقتل المرشد الاعلى “خامنئي” في اليوم الاول من الحرب، وضحت ان الحرس الثوري الايراني قد استلم زمام الصراع
حسب (وصية خامنئي العسكرية) التي من الواضح أنها وصية رديئة باستهداف دول الخليج العربي وبنيتها التحتية وما القواعد العسكرية الامريكية الا حجة لذلك الاستهداف!
• وحيث تضارب التصريحات بين السياسة والحرس الثوري، توضح إما انه إنقسام حقيقي، أو أنه تبادل للادوار بين تطمين دبلوماسي من رئيس الجمهورية ووزير خارجية إيران ، وبين العمل العسكري في الساحة الخليجية، التي تتعرض الى استنزاف دفاعتها الجوية بسبب كثرة الصواريخ والمسيرات المتوجهة اليها من إيران! ولكان هذا الاستنزاف هو هدف ايراني بحد ذاته! جانب تعريض المنطقة للفوضى الاقتصادية بسبب التحكم في “مضيق هرمز” الذي من خلاله تمر معظم آليات التجارة والطاقة من الدول العربية المطلة على الخليج الى العالم ومنه إليها
• بين مطرقة إيران وسندان النوايا والاجندات الامريكية واجندات الكيان الصهيوني، يجد الخليج نفسه محاصرا بمشهد ضبابي وعبثي، يدفعه دفعا للتفكير في كيفية الدفاع عن نفسه بعد أن تم حشره بالعدوان الايراني على اراضيه، وهذا دفاع على المدى القريب! أما على المدى البعيد فهو مجبر على التفكير برؤية استراتيجية جديدة للدفاع عن نفسه، ووضع الاولوية “للدفاع الذاتي”، بعد ان توجهت رؤيته سابقا الى كثير من الاعتماد على الحماية الخارجية المشفوعة باتفاقيات وتواجد قواعد، ثبت انها في حد ذاتها تمثل تهديدا وليس حماية! وكلنا نذكر حادثين مهمين:
الاول في 2011 حين توجه الاسطول الامريكي بعيدا عن مياه الخليج في ذروة الازمة التي كان “الحرس الثوري الايراني” يريد التوجه فيه نحو البحرين! ولولا حفظ الله ثم “درع الجزيرة” وموقف السعودية لكان التاريخ قد غير مصير المملكة! والثاني في 2019 حين ضرب أرامكو ولم تحرك الولايات المتحدة ساكنا! واليوم والصواريخ تنهمر على دولنا فان كل الانشغال الامريكي هو حماية “الكيان الصهيوني” الذي جره إلى الحرب، وتنفيذ اجندة هذا الكيان “التوراتية المحرفة” لتدمير ليس ايران واحدها، وإنما حرف بوصلة الحرب لتكون بين إيران ودول الخليج! فتدمر بعضها في حرب تتداخل فيها السياسة بالمعتقد التوراتي الصهيوني والمعتقد الايراني الاثنا عشري تجاه دول الخليج !
وبذلك تثبت الولايات المتحدة أن الثقة بآليات دفاعها عن الخليج وعن من تربطه الاتفاقيات معها، هي ثقة مفقودة، خاصة حين تصل الازمات الى ذروتها!
• في مقابلة الرئيس الاسبق لجهاز الإستخبارات السعودي “تركي الفيصل” مع مذيعة (سي.ان.ان) تحدث عن وجود القواعد الامريكية بالخليج، وما ان كانت تعزز حمايتها فعلا، وكان حديثه يشي بخيبة أمل في ذلك! ولذلك أكد أهمية تعزيز السعودية لقدراتها العسكرية وتوسيعها لتتمكن من الدفاع عن نفسها، وتطوير صناعة عسكرية محلية حتى لا تضطر إلى اللجوء إلى الخارج كأمريكا أو أوروبا لشراء الاسلحة!
وهنا يطرح تركي الفيصل أولوية مهمة ليس للسعودية وحدها، وانما لكل دول الخليج وهي أولوية (الصناعة العسكرية المحلية)
التي طالما طالب بها كل باحث ومفكر خليجي مخلص!
ولكن هذا التفكير صالح على المدى المتوسط والبعيد، فقد سبق السيف العذل في هذه الحرب الجارية الان!
الاولوية الثانية على مستوى الرؤية الاستراتيجية العسكرية هي ما طرحه أيضا في المقابلة عن أهمية تشكيل (قيادة دفاعية خليجية شاملة) لحماية دول الخليج، وكنت شخصيا أعتقد أن العمل في دول مجلس التعاون على هذا الامر كان جاديا منذ زمن طويل!
• إن دول الخليج العربي التي تنصب رؤيتها في الجانب السلمي وطريق التنمية الاجتماعية والصناعية والتجارية بدلا من الدخول في صراعات عسكرية في المنطقة وإراقة الدماء والمزيد من الدمار الذي ترفضه، تجد نفسها محاصرة بتحديات جيواستراتيجية وإيديولوجية وعقدية توراتيه صهيونية وولائية إيرانية! والتي تمثل جذور الرؤى والاجندات التوسعية والعسكرية وفرض الهيمنة عليها! وهذا يضعنا أمام (صراعات مفتوحة جذرها فكري وثقافي وديني مغلوط، سواء في التوراة المحرفة أو في المعتقد الثيوقراطي للملالي، خاصة في ظل حرب مفتوحة على كل السيناريوهات الخطيرة) ! وهذا يضع أمام دول الخليج العربي أهمية الالتفات إلى تعزيز دورها الفكري والتاريخي والديني والثقافي في المواجهة ! وهذا يحتاج إلى كوادر فكرية قادرة على الردود العميقة والبحث الموسع (فكريا ودينيا) لخطر حرب الافكار الدينية المحرفة أو التي تشكل قاعدة للتوسع الاستعماري ! خاصة في ظل وجود التصريحات الواضحة التي تؤكد أن ما يحدث هو “حرب دينية” سواء من جانب المتطرفين في الكيان الصهيوني، ومثلهم في الجانب الايراني! وفي نظري هذا لا يقل أهمية في الدفاع عن الخليج والمنطقة، عن الدفاع العسكري، بل هو الاكثر أهمية حاليا في ظل (رؤى التطرف التوراتي) من جهة، والتطرف العقدي الثيوقراطي في إيران من جهة أخرى ! وسواء لمواجهة الخونة في الداخل أو المتلاعبين بمصير المنطقة في الخارج فهذا الامر بات ملحا! والله يحفظ خليجنا من كل شر.
فوزية رشيد
تجمع الوحدة الوطنية جمعية سياسية بحرينية تأسست عام 2011م