دور المرأة التنموي في بلدان مجلس التعاون الخليجي

لم يعد تمكين المرأة في دول مجلس التعاون الخليجي قضية اجتماعية أو مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل أصبح ضرورة تنموية واقتصادية ترتبط مباشرة بمستقبل المنطقة وقدرتها على المنافسة عالميًا. فالتحولات التي يشهدها الخليج — من تنويع مصادر الدخل إلى التحول الرقمي وبناء اقتصاد المعرفة — لا يمكن أن تكتمل دون تفعيل كامل للطاقات النسائية باعتبارها جزءًا أساسيًا من رأس المال البشري.

لقد لمارس مجلس التعاون دورًا مهمًا في خلق مناخ إقليمي داعم لتمكين المرأة، عبر التنسيق بين الدول الأعضاء وتبادل التجارب الناجحة في مجالات التعليم والعمل والتشريعات. ومع إطلاق الرؤى الوطنية الكبرى في كل دولة خليجية، أصبح تمكين المرأة هدفًا قابلًا للقياس، مرتبطًا بمؤشرات سوق العمل، ونسب المشاركة الاقتصادية، وتمثيل المرأة في القطاعات المستقبلية.

وتكشف الأرقام الحديثة عن تحولات حقيقية. ففي عام 2024، بلغت نسبة مشاركة النساء في قوة العمل نحو 63% في قطر، و54% في الإمارات، وقرابة 49% في الكويت، وأكثر من 43% في البحرين، وحوالي 34% في السعودية، و31% في عُمان. هذه الأرقام، الصادرة عن بيانات البنك الدولي، تعكس توسع حضور المرأة في سوق العمل الخليجي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد واحد فقط. وهي تؤكد أن المرأة لم تعد على هامش الاقتصاد، بل أصبحت جزءًا متزايد التأثير في معادلته.

غير أن الأهم من مجرد المشاركة هو نوعية المشاركة. فالتحول التنموي في الخليج يقوم على اقتصاد المعرفة والتقنيات المتقدمة، وهنا تبرز دلالة مؤشر بالغ الأهمية: في دولة الإمارات، تشكل النساء 56% من خريجي الجامعات الحكومية في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وهذا يعني أن القاعدة التعليمية النسائية في مجالات المستقبل ليست ضعيفة، بل متقدمة. وفي البحرين، تشكل النساء نحو 40% من القوى العاملة في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، كما أن 75% من الملتحقين ببرامج التدريب التقني المتخصص في مجال تكنولوجيا المعلومات هنّ من النساء. هذه الأرقام لا تعكس مشاركة رمزية، بل حضورًا فعليًا في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية.

وفي السعودية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولًا واسعًا في سياسات تمكين المرأة، تشير البيانات إلى ارتفاع ملحوظ في مشاركة المرأة الاقتصادية، مع برامج نوعية تستهدف تأهيل النساء في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي. فقد أُطلق برنامج “Elevate” لتدريب أكثر من 25 ألف امرأة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات خلال عدة سنوات، في خطوة تعكس انتقال تمكين المرأة من مرحلة التوظيف التقليدي إلى مرحلة الاستثمار في المهارات الرقمية المتقدمة.

كما أن المنطقة العربية عمومًا تسجل نسبة تقارب 41% من النساء ضمن الباحثين في مجالات العلوم، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي في بعض التقديرات، ما يدل على أن المرأة العربية — والخليجية ضمنها — ليست بعيدة عن بيئة البحث العلمي التي تُعد الحاضنة الطبيعية لتطوير الابتكار والتقنيات الحديثة.

ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة. فالفجوة الرقمية بين الجنسين في المنطقة العربية تُعد من الأعلى عالميًا، ما يعني أن الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة وتطوير المهارات الرقمية لا يزال بحاجة إلى سياسات أكثر عمقًا وشمولًا. كما أن ترجمة التفوق التعليمي إلى حضور قيادي في القطاعات التقنية لا تزال تتطلب إصلاحات في بيئة العمل، ودعمًا لريادة الأعمال النسائية، وتوسيعًا لفرص التمويل والاستثمار.

إن الدور التنموي للمرأة الخليجية اليوم يتجاوز مجرد المشاركة في سوق العمل؛ فهو يتمثل في قدرتها على الإسهام في صياغة نموذج اقتصادي جديد قائم على المعرفة والابتكار. فكل زيادة في مشاركة المرأة في القطاعات التقنية والإبداعية تعني توسعًا في قاعدة الإنتاج، وتعزيزًا للاستقرار الاجتماعي، وارتفاعًا في القدرة التنافسية للاقتصاد الخليجي ككل.

لقد انتقل الخليج من مرحلة تمكين المرأة بوصفه شعارًا إلى مرحلة اعتباره استثمارًا اقتصاديًا مباشرًا. والمرحلة المقبلة تتطلب تعميق هذا المسار، بحيث تصبح المرأة الخليجية ليس فقط عنصرًا منتجًا، بل شريكًا استراتيجيًا في رسم ملامح التنمية المستدامة للمنطقة. فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بمعدلات النمو، بل بمدى إشراك جميع مكونات المجتمع في صناعة المستقبل — والمرأة الخليجية اليوم تقف في قلب هذا المستقبل، لا على هامشه

لم يعد مقبولًا أن تبقى المرأة الخليجية في موقع المستهلك للتكنولوجيا، مهما بلغت درجة إتقانها لاستخدامها. فالاستخدام لا يخلق قيمة مضافة، بينما الإنتاج هو الذي يصنع الأثر الاقتصادي الحقيقي. إن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا واعيًا من ثقافة “الاستفادة من التطبيقات” إلى ثقافة “تصميم التطبيقات”، ومن تشغيل المنصات إلى امتلاكها، ومن التفاعل مع الخوارزميات إلى تطويرها. وهذا التحول لا يعني فقط تعلم البرمجة أو اكتساب مهارات تقنية متقدمة، بل يعني بناء عقلية إنتاجية ترى في التكنولوجيا أداة للابتكار وصناعة الحلول، لا مجرد وسيلة للراحة أو الاستهلاك. فحين تؤسس المرأة الخليجية شركة ناشئة في الذكاء الاصطناعي، أو تطور منتجًا رقميًا يخدم المجتمع، أو تساهم في بحث علمي يقود إلى تطبيق صناعي، فإنها لا تعزز موقعها الفردي فحسب، بل ترفع من القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

إن المستقبل لن يُكتب بأيدي من يستخدمون التكنولوجيا فقط، بل بأيدي من يصنعونها، ويملكون بياناتها، ويوجهون مساراتها. والمرأة الخليجية تمتلك اليوم من التعليم والمهارة والطموح ما يؤهلها لتكون في قلب هذا التحول، شريكة في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلقية لها.

عبيدلي العبيدلي