الحرب على إيران في ظل تناقضات ترامب والضغط الاسرائيلي: سيناريو الصفقة يتقدّم على خيار التغيير الجذري

 

مع دخول الحرب القائمة على إيران شهرها الثالث، تتكشف ملامح المشهد بشكل متزايد لتبدو أقرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد منها إلى صراع خاطف يفضي إلى تغيير جذري في النظام. في ظل تصريحات متضاربة صادرة عن الإدارة الأميركية ووقائع ميدانية متشابكة، تبدو نهاية هذه الجولة من التصعيد مرشحة للانتهاء إلى صفقة تفاوضية غير معلنة تحفظ الحد الأدنى من مكاسب الأطراف، بدلاً من حسم عسكري شامل.

تناقضات واشنطن: تغيير النظام بـ”خلع القيادة” أم صفقة سريعة؟ لم تخرج التصريحات الرسمية الأميركية خلال الأسابيع الماضية بصيغة واحدة واضحة حول الهدف النهائي من العمليات العسكرية. ففي الوقت الذي تحدث فيه الرئيس دونالد ترامب عن أن استهداف القيادات العليا في طهران، ومن بينهم المرشد السابق علي خامنئي، يمثِّل “تغييراً للنظام”، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن “النظام الثيوقراطي نفسه لا يزال قائماً” بقيادة خليفة المرشد، مجتبى خامنئي، الذي يحمل الإيديولوجية ذاتها. هذا الانقسام في الرؤية بين البيت الأبيض والبنتاغون يعكس واقعاً أوسع: الإدارة الأميركية تتحرك بعيداً عن خيار الغزو البري المكلف الذي يتطلبه أي تغيير مؤسسي حقيقي. الأقرب إلى التطبيق هو سيناريو “خلع القيادة” بهدف تحقيق امتثال سياسي، مع الحفاظ على هيكل النظام القائم، وهو ما يفسره مراقبون بأنه محاولة للوصول إلى تفاهمات سريعة تخدم أجندة الرئيس ترامب الداخلية قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

الميدان: حرب استنزاف ورسائل بعيدة المدى – على الأرض، أثبتت إيران قدرتها على تحويل المعركة إلى حرب استنزاف معقدة. فالهجوم الذي استهدف قاعدة “دييغو غارسيا” الأميركية، على بُعد نحو 2500 ميل، بصواريخ وسيطة المدى، أظهر تطوراً في القدرات التقنية والإرادة على توجيه ضربات بعيدة المدى. في المقابل، يعتمد الحرس الثوري الإيراني على تكتيك يعيد إلى الأذهان حرب فيتنام؛ استخدام ترسانة ضخمة من المسيّرات والصواريخ الباليستية الرخيصة نسبياً لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي المتطورة مثل “باتريوت”، ما يرفع الكلفة المالية واللوجستية على التحالف الذي تقوده واشنطن. كما أن إيران لم تتردد في استهداف الاقتصاد العالمي عبر مهاجمة ناقلة نفط كويتية قرب دبي وفرض شلل فعلي على مضيق هرمز، مما دفع أسعار النفط فوق حاجز المئة دولار للبرميل ودفع واشنطن إلى التهديد بـ”محو” منشآت النفط الإيرانية.

انهيار “المحور” أم تحول في قواعد اللعبة؟ – من أبرز المتغيرات التي تشكل المشهد الحالي تراجع فعالية “محور المقاومة” كجسم موحد. فتحت الضغط العسكري المباشر على طهران، لم تعد الأذرع الإقليمية – من الحشد الشعبي إلى حزب الله والحوثيين – تتبع الأوامر بالصورة المركزية التي كانت سائدة سابقاً. كل طرف بات يحسب حساباته المحلية، ما يجعل المشهد أكثر فوضوية وأقل قابلية للتنبؤ، وإن كان لا يلغي قدرة هذه الجماعات على شن هجمات متفرقة، مثل تهديد الحوثيين لخطوط الملاحة في باب المندب بالتزامن مع إغلاق هرمز، في محاولة لضرب الاقتصاد العالمي من جبهات متعددة.

البحرين والكتلة الخليجية: تشير المعطيات الحالية إلى أن الخليج يتجه نحو استمرار حالة “التوتر المُدار”، حيث يتم احتواء التصعيد ضمن حدود معينة دون الوصول إلى حرب شاملة. في هذا السياق، تمثل البحرين نموذجاً لدولة تواجه تحديات جيوسياسية كبيرة، لكنها تمتلك في الوقت ذاته أدوات فعالة للتكيف والصمود. إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجنب المخاطر، بل في تحويل الموقع الاستراتيجي إلى مصدر قوة مستدام، من خلال سياسات مرنة، واستثمارات ذكية، وشراكات متوازنة.

 

سيناريوهات الختام: بين صفقة مرتقبة وتصعيد خطير – استناداً إلى المعطيات الراهنة، يمكن توقع أحد سيناريوين رئيسيين:

الأول – سيناريو الصفقة (الأكثر ترجيحاً): يبدو أن الرئيس ترامب، الذي يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود واستطلاعات رأي تظهر رغبة أميركية في إنهاء الحرب، قد اختار مساراً تفاوضياً. تصريحاته الأخيرة بأن الحرب قد تنتهي خلال “أسبوعين أو ثلاثة” وأن إيران “لا يتوجب عليها تقديم تنازلات مسبقة” تشي بوجود قنوات اتصال خلفية. يتوقع مراقبون التوصل إلى اتفاق شبيه بنموذج فنزويلا، يتضمن تخفيفاً للعقوبات ووقفاً للعمليات العسكرية مقابل تفكيك جزء من الترسانة الصاروخية الإيرانية وضمانات بفتح المضائق، مع بقاء النظام الحالي (وربما بقيادة جديدة) في الحكم.

الثاني – سيناريو التصعيد الخطير (الأقل احتمالاً): في حال فشلت المساعي الدبلوماسية، قد تلجأ واشنطن إلى عمليات محدودة تستهدف السيطرة على جزيرة “خارك” المصدرة لنحو 90% من الصادرات النفطية الإيرانية، أو تنفيذ عمليات برية ساحلية. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر إقليمية كبرى، قد تدفع إيران إلى الانسحاب الرسمي من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) والتحرك السريع نحو امتلاك سلاح نووي ردعاً، وهو ما يعني انفجار الأزمة في أبعاد جديدة لا يمكن احتواؤها بسهولة.

الخلاصة

في ضوء التناقضات الأميركية والمعطيات الميدانية المتشابكة، يرجح أن تنتهي الحرب الحالية على إيران ليس بنصر عسكري حاسم، بل بتوافق غير معلن ينهي التصعيد مؤقتاً. التصريحات المتناقضة التي صدرت من واشنطن لم تكن سوى انعكاس لصراع داخلي بين تيار يدعو إلى تغيير جذري مكلف وآخر يفضل صفقة سريعة تحقق مكاسب سياسية واقتصادية. في المقابل، تمتلك إيران ما يكفي من أوراق الضغط لتعقيد المعركة وإجبار الطرف الآخر على العودة إلى طاولة التفاوض. يبقى المشهد مرهوناً بتطورات الأيام القليلة المقبلة، خاصة مع انعقاد جلسات طارئة لمجلس الأمن على خلفية القصف في بيروت ولبنان، والتي قد توسع رقعة الصراع إذا لم تُحتوَ دبلوماسياً.

ختاماً، أسئلة مهمة من الضروري التطرق لها والمتعلقة بدول الخليج العربي عامة (ككتلة موحدة) والبحرين خاصة، بالنسبة للدروس المستفادة من هذه المحنة وكيفية التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية. وهذا ما سوف نتطرق له في المقال القادم انشاء الله.

حفظ الله مملكتنا العزيزة البحرين ودول الخليج من كل شر.

د. علي الصوفي