الاتحاد الخليجي خيارنا

كشفت الحرب الأخيرة في المنطقة، بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، كثيراً من الحقائق التي لم تعد خافية، وأسقطت الأقنعة عن أطراف الصراع كافة. فقد أظهرت هذه الحرب حجم التعقيد في المشهد الإقليمي، وأكدت أن دول الخليج العربية، ممثلة في دول مجلس التعاون، كانت حريصة منذ البداية على تجنب اندلاعها، إدراكاً منها لما تحمله من خسائر جسيمة على شعوب المنطقة واستقرارها، حيث بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة، ولعبت سلطنة عُمان دور الوسيط لتخفيف التوتر.

في المقابل، يتضح أن المشروع الإسرائيلي يتجه نحو إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، مستنداً إلى سياسة التصعيد وجرّ المنطقة إلى صراعات أوسع، في إطار تحقيق طموحات توسعية معلنة. كما كشفت الحرب عن تناقضات الخطاب الإيراني، إذ أظهرت الأحداث أن القضية الفلسطينية استُخدمت كأداة سياسية، بينما اتجهت الهجمات نحو دول مجلس التعاون، رغم التزامها بسياسة ضبط النفس وعدم الانخراط في الصراع، في محاولة لجرّها إلى دائرة المواجهة وتوسيع نطاق الحرب.

أما على المستوى الدولي، فقد برزت أبعاد الصراع الكبرى، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية للقوى العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ضمن تنافس أوسع على النفوذ وموارد الطاقة، خاصة في ظل أهمية النفط والغاز في معادلة القوة العالمية.

ورغم التحديات، أظهرت دول مجلس التعاون قدراً عالياً من الحكمة والمسؤولية، من خلال التزامها بضبط النفس، حتى بعد تعرضها لهجمات مباشرة، وعدوان ايراني سافر وهو موقف يعكس نضجاً سياسياً وحرصاً على تجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد، مع الاحتفاظ بحق الرد وفق ما يقره القانون الدولي.

إن هذه التطورات مجتمعة تقدم درساً استراتيجياً مهماً، مفاده أن دول الخليج مستهدفة في هذا الصراع، سواء من الناحية الاقتصادية أو الجيوسياسية، وهو ما يفرض ضرورة الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتمثل في الاتحاد الخليجي، كخيار استراتيجي لمواجهة التحديات.

فالحديث عن الاتحاد الخليجي لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة تفرضها المرحلة، خاصة إذا ما نظرنا إلى الإمكانيات الهائلة التي يمكن أن يشكلها هذا الاتحاد:

فعلى المستوى الاقتصادي، سيشكل الاتحاد قوة عالمية كبرى، حيث سيتجاوز الناتج المحلي الإجمالي 3 تريليونات دولار، ليضعه ضمن أكبر اقتصادات العالم، مدعوماً باحتياطيات ضخمة من النفط والغاز تمثل نسبة مؤثرة من الاحتياطي العالمي، إلى جانب صناديق سيادية تتجاوز قيمتها 4 تريليونات دولار، ما يجعله لاعباً رئيسياً في أمن الطاقة العالمي.

أما عسكرياً، فإن توحيد القدرات الدفاعية لدول المجلس سيؤدي إلى إنشاء قوة عسكرية متقدمة، بميزانية تتجاوز 150 مليار دولار سنوياً، وقوة بشرية كبيرة، إضافة إلى قدرات جوية وبحرية وبرية متطورة، بما يعزز من قدرة الردع وحماية الأمن القومي.

وعلى الصعيد السكاني والجغرافي، فإن الاتحاد سيضم نحو 30 مليون نسمة، ويمتد على مساحة تزيد عن 2.6 مليون كيلومتر مربع، مع إشرافه على أهم الممرات المائية في العالم، مثل مضيق هرمز وباب المندب، ما يمنحه موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية في حركة التجارة العالمية.

أما من الناحية الجيوسياسية، فإن الاتحاد الخليجي يمكن أن يتحول إلى قطب دولي مؤثر، يمتلك استقلالية استراتيجية، ويؤدي دور “بيضة القبان” في التوازنات العالمية، إضافة إلى ما يحمله من ثقل ديني وثقافي بوجود الحرمين الشريفين، وهو ما يمنحه مكانة خاصة على مستوى العالم الإسلامي.

إن هذه الإمكانيات الهائلة تؤكد أن الاتحاد الخليجي ليس مجرد فكرة، بل مشروع قابل للتحقق، لا ينقصه سوى الإرادة السياسية والقرار الموحد. وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحديات وأخطار متزايدة، فإن هذا الخيار لم يعد مؤجلاً، بل أصبح ضرورة ملحة لضمان الأمن والاستقرار، وصون مكتسبات شعوب دول الخليج.

لقد كشفت الحرب كل شيء، وأسقطت الأقنعة، ولم يعد أمامنا سوى أن نختار طريقنا بوضوح… والاتحاد الخليجي هو خيارنا.

م. عبد الله الحويحي