انتخابات ٢٠٢٢م ومزاج شعبي مختلف! ولكن ماذا بعد…(؟) بقلم: أ.عبدالحكيم الصبحي

 

يقيناً أن النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات النيابية ٢٠٢٢م، كانت بمزاج شعبي مختلف، ذلك واضح من مجريات الاحداث، من الجولة الأولى وما صاحبها من صوت مرتفع، يحتج على تصرفات من قوى واطراف تخل بالممارسة الديمقراطية، ومن الجولة الثانية التي كانت وكأنها الهام الاهي للشعب، أو قيادة خفيه قادته لمثل هذا الحراك الذي قلب كل التوقعات، وأهم ما يلفت النظر في هذا الحراك الشعبي عوامل على جانب كبير من الأهمية، ومن الأهمية بمكان أن تناقش باستفاضة، في الاواسط الشعبية، في الجلسات الخاصة، والجلسات العامة، وفي مؤسسات المجتمع المدني، وفي المجالس الاهلية، وحتى على مستوى الاسرة في المنزل، وفي هذا المقام مقال لبعضها.
العقاب كان سيد الموقف، وهو امتداد لموقف سبق في الانتخابات النيابية ٢٠١٨م،حيث عاقب الناخبين كل من صوت من النواب،على اقرار ضريبة المضافة ٥٪، ولم يتعظ من خلفهم، وصوتوا بما هو انكى وأكثر ضرراً، فكان العقاب هذه المرة اشد، وبمزاج شعبي مختلف، طال حتى مرشحون لم يكونوا نواباً في الفصل التشريعي المنقضي، وإنما لمسوا منهم انهم على نفس الشاكلة، أو انهم مدعومون من قوى تندرج تحت نفس المزاج العقابي! ولكن السؤال؛ إلى متى سنعاقب مستقلون ونأتي بآخرين نعاقبهم وكأنهم يعاقبوا أول مرة؟! في ٢٠١٨ عوقب من صوت على الضريبة، هذا العقاب لم يردع من خَلَفَهم! تخيلوا معي مدى تأثير هذا العقاب على سقوط جمعية سياسية وكنسها من المشهد السياسي، وهذا ما أعنيه في المقالات السابقة من تفعيل للحياة الحزبية من أجل ممارسة ديمقراطية صحية وسليمة، وحراك مجتمعي لانشاء جمعيات بديلة لما يكنس، من نخب ذات كفاءة وقادرة ومخلصة، سيكون للعقاب لون آخر من التأثير والوجع، مرة تلو المرة على جمعيات سياسية بعينها، ينهي وجودها، وهذا ما لا ترضاه لنفسها، وسوف تعمل على توزان في مواقفها، وكذلك لا نرضاه نحن الذين ندعوا الى ممارسة ديمقراطية صحية من خلال تعددية حزبية تستوعب جميع التيارات الفكرية ومن جميع المشارب، وبرامج عمل ابداعية، تعيد للسلطة الموازية اعتبارها بين السلطات، كما ينص عليه الدستور.
كل التوقعات والآراء التي تم تداولها قبيل الانتخابات، انه ستكون هناك مقاطعة واسعة نتيجة يأس واحباط المجتمع من أداء النواب، حتى علت الاصوات بمطالبة إلغاء المجلس وتوفير نفقاته في ميزانية الدولة، فجاء الحراك على عكس ذلك، مشاركة أوسع، وتكثيف في التصويت، خاصة في بعض الدوائر الانتخابية، التي أريد فيها اسقاط مرشح بعينه، و فوز مرشح آخر بعينه ايضاً من نواب سابقين لم يصوتوا ضد رغبات الشعب، حراك اربك كل الحسابات واللاعبين في الساحة السياسية، ساعد على ذلك ايضاً كما ذكرنا سابقاً، الصوت العالي والصريح والمباشر المحتج على أي تدخلات وتوجيهات تحرف الإرادة الحرة للشعب، أو تفرض عليهم مرشح بعينه!
ما عادت دغدغةً المشاعر، خاصة الدينية، أو الوعود والتلميحات الكاذبة تنطلي على الناخب، بل وفقدت كل تأثيراتها السابقة، واصبحت محل التندر العلني من الشعب في كل وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام الاهلي الذي طغى على الاعلام المؤسسي، الذي ينطر اليه على انه بوق تطبيل مضلل، فقد كل مهنية ومصداقية! سقوط جمعية سياسية تتدثر بالدين ودغدغة المشاعر الدينية والاجتماعية واستغلال العوز المالي، درس مستفاد لها ولجمعيات اخرى قائمة أو قادمة، تخل باصول الممارسة الديمقراطية، وسقوط الاعلام المؤسسي وفقدان الثقة فيه، والاستعاضة عنه بالاعلام الاهلي بديلاً عنه ايضاً درس لعله يفيد قيل ان تضطر هذه المؤسسات للاغلاق، لانها لا تستحق ان تنال شرف لقب السلطة الرابعة، الممثلة لصوت الحق وصوت الشعب!
وربما هناك عوامل أخرى، لها الأهمية النسبية من وجهات نظر مختلفة، لا يتسع المقام هناء لذكرها، ولعل الاكثر أهمية للنقاش المستفيض، توجيهات للناخبين، واخرى للمنتخبين من النواب الجدد والسابقين المعاد انتخابهم مرة اخرى، مكافئة من الناخبين على مواقفهم السابقة، للناخبين نقول؛ مزاجكم الانتخابي العقابي، نتيجة وعي بحقيقة الممارسة الديموقراطية الواجبة، وإدراك للمسؤولية الوطنية في التمسك بحقكم، في سلطة تشريعية ورقابية اداءاً، وموازية مستواً بين السلطات الثلاث التي ينص عليه الدستور «فصل واستقلال» فإن كان كذلك، فيجب ان لا يقف حراككم المجتمعي المؤثر عند الاصرار على سقوط وفوز نواب، وإنما يمتد الى اصرار على التمسك بالحقوق، من خلال المتابعة المستمرة لاداء النواب في المجلس النيابي، والمحاسبة اولاً بأول، وان تعدوا العدة من الآن لانتخابات ٢٠٢٦م في انشاء جمعيات سياسية، وتعددية تعكس المجتمع وتمثله خير تمثيل، لا يطغي فكر معين، ليقصي بقية المكونات، فكر بعيد عن الطائفية، الفئوية، المناطقية، وكل عوامل التفرقة وإثارة النعرات بمختلف انواعها.
أما اذا كان مزاجكم الانتخابي العقابي، نتيجة المثل القائل «كثرت الطق تفچ للحام» فمعنى ذلك ان حراككم سيقف عند حد نتائج الانتخابات، في انتظار القادمة، وهكذا دوران في حلقة مفرغة! العقاب رادع، ولكن علينا ان نعي مع من، نستخدمه، وكيف، ومتى؟ لكي يكون له تأثيره ويؤتي ثماره!
وللنواب في هذا الفصل التشريعي ٢٠٢٢-٢٠٢٦، الجدد منهم، ومن اعيد انتخابه نقول؛
الغالبية منكم من المستقلين، وهذا ليس عيباً، ولكنه ضعفاً في مساحة المناورات والمساومات، والتعرض للضغوطات، مما يؤثر حتماً على الاداء، فلابد لكم من تكتل او أكثر يعيطكم قوة وقدرة على بناء والتحالفات مع تكتلات اخرى من المنتمين للجمعيات السياسية بينكم.
اول اختبار سوف تخضعون له شعبياً، هو اختيار الرئيس ونائبيه، ورؤساء اللجان، وهيئة المكتب المحركة لنشاط المجلس، من الآن للشعب مزاج مختلف لمن يتولى هذه المناصب، ارادتهم الحرة في اختياركم كنواب تمثلونهم، يجب ان تنعكس في ارادتكم الحرة فيمن تنتخبونهم داعمين لاداء افضل ومشرف يتناغم مع ذاك المزاج الشعبي «العقابي».
الخروج من النظرة القاتمة، ان ليس للمجلس صلاحيات، وانه مقيد، هذه مقولة باطلة أريد بها باطل! لا أحد ينكر محدودية الصلاحية، وكذلك القيود المفروضة على النواب من خلال لائحته التطبيقية، ومن خلال انتقاص لصلاحيات اسهم فيها نواب سابقين، ولكن هناك هامش من الصلاحيات يمكن من خلالها توسيع دائرة المناورة والمساومة، هذا الهامش من الصلاحيات يثبته ما ارتفع من اصوات محتجة على التوجيه في الانتخابات، فلماذا تسعى قوى نافذة للتدخل اذا كان ليس للمجلس أدنى صلاحية؟! ففضلاً عن التصويت على القوانين، والادوات البرلمانية، والرقابة المالية والادارية، الاختبار الشعبي الثاني لكم سيكون من خلال اقرار برنامج الحكومة، ليس لديكم صلاحية اعطاء الثقة والتصويت على الحكومة، ولكن لديكم صلاحية اسقاط الحكومة من خلال منح الثقة أو عدم منحها لبرنامج الحكومة، بالطبع لا نطلب منكم ان تصلوا الى هذه المرحلة من المواجهة، ولكن هذا لا يمنع من مراجعة واقعية البرنامج، مدى تحقيقية لمطالب متعددة من تنمية وخدمات، والأهم مطابقته مع برامج الحكومة السابقة، ومدى ما انجز منها، ومدى ما اخفق في مواضع محددة لتقويم البرنامج لما هو افضل، مع ملاحظة الوزارات التي الوزراء السابقين مازالوا قائمين عليها، اخفاقهم يعني صعوبة في اقرار برنامج هم ضمن من اعده، ومسؤولين عن تنفيذه (!!)
اقرار الميزانية، لا بد ان يخضع الى تدقيق في حسابات ختامية سابقة، للوقوف على حقيقة الايرادات والمصروفات، وان يتوائم تماماً مع ما يقر من تنمية وخدمات في برنامج الحكومة.
لعل من الأهمية ان تشكل لجنة «من اللجان غير الدائمة» مع استشارات لفحص كل التقارير المالية والادارية وما اثبتته من اوجه قصور وهدر وفساد، والتي اهمل تماماً المحاسبة عليها، لكي يكون للرقابة دورها.
ومن نافلة القول؛
لعل ما تمخض من نتائج في انتخابات ٢٠٢٢م نتيجة المزاج الشعبي العقابي، يجد له صدى لتشجيع نخب من الكفاءات والقدرات الوطنية، في العادة عازفة عن الترشح إلى التفكير بجدية في الترشح لانتخابات ٢٠٢٦م، وقطع الطريق على من هب ودب من الطامعين الذين لا يمتلكون ادنى مقوم من مقومات الترشح والكف عن العبث والتهريج بترشحهم في العملية الانتخابية !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *