القضية الفلسطينية.. تساؤلات ما بعد طوفان الاقصى. بقلم د.محمد الكويتي

 

لم تنتهي الحرب الغاشمة على غزة ومازال العدو الصهيوني يواصل مجازره واعتداءاته على ابرياء غزة. لكن التحولات في الرأي العام العالمي ويقضة مسئولين في الحكومات الغربية تتواصل. فهذه المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية تدلي بتصريحات للصحافة تقول انه ليس من حق اسرائيل ان تقرر من سيحكم في المستقبل، فهي جزء من الدولة الفلسطينية المستقبلية. كذلك انتقد مجموعة من الدبلوماسيين سياسة ماكرون في المنطقة بتوجيه مذكرة داخلية بشكل غير مسبوق. ومسئول امريكي سابق يقول ان اسرائيل ترتكب جرائم حرب. كذلك تدعو مسئولة بلجيكية (نائبة رئيس الوزراء) الى فرض عقوبات على الكيان الصهيوني والتحقيق في قصف المستشفيات ومخيمات اللاجئين في قطاع غزة، وغيرها من التصريحات من مسئولين في الحكومات الغربية واستقالات في احزاب يمينية ويسارية اوروبية. كذلك نشرت اخبار عن احتجاجات داخل الكيان الصهيوني نفسه على سلوك الحكومة شملت مجموعات من الجيش نفسه وجهات رسمية اخرى قررت الاضراب، بالاضافة الى استمرار المظاهرات من الجماهير الغربية. مع كل هذه التحولات في الرأي العام العالمي والوعي العربي بالقضية ووضعها على السطح في وسائل الاعلام، ومع هذا الانتصار الفلسطيني، اصبحت مسئولية الدول والشعوب العربية طرح السؤال كيف يمكن استثمار هذا الدعم والوعي لصالح انهاء الاحتلال واستعادة حقوق الفلسطينيين.
بينا في المقال السابق ان هذه المواقف من جماهير العالم ومسئولين غربيين، تحتاج الى استثمار ومتابعة سياسية ودبلوماسية رسمية ومجهودات من الدول والشعوب العربية. يقول لي احد الزملاء ان الاعتماد على الدول العربية في حشد الرأي العام العالمي قد يكون فيه قدر من التفاول، وفي ذلك جانب من الصحة. لكن المتوقع، بعد انتهاء الحرب، ان تدخل الامة في معركة شرسة وجولات سياسية ودبلوماسية صعبة من اجل حل القضية دون ان يغيب عن بالها اطماع الكيان الصهيوني الكبرى في توسيع هيمنته وتغلغله في الامة العربية عن طريق التطبيع. وعليه سيكون على الامة تحديد اولوياتها بتجرد، وان تفكر في مستقبلها وليس فقط في مستقبل الانظمة السياسية التي تمثلها. كذلك يتوجب على الشعوب ان تجد وسيلة لدعم الانظمة الشرعية ومحاولة اصلاحها سلميا من الداخل بالتعاون مع الحكومات، وتطمين هذه الانظمة بان الاصلاح التدريجي هو الخيار الذي تتبناه الشعوب، وتبتعد عن النبرات المتطرفة التي تنادي بالتغيرات الجذرية التي تجعل الشعوب في صدام مع الحكومات. كما يتوجب على الانظمة الاهتمام باهم مسارات الاصلاح وهي تكريس مبادئ الحوكمة مثل محاربة الفساد وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية الفاعلة. لتنفيذ ذلك ولتحقيق حسن ادارة المال العام ومعالجة آفات البطالة والفقر وعدم المساواة التي هي في صلب الصراع العربي – فيما بين الدول وضمن الدولة الواحدة- لا بديل عن المسار الديمقراطي الذي يكرس القبول بالتعددية وبالاخر المختلف واحترام حقوقه الفكرية والسياسية والاجتماعية وفوق كل ذلك حقوقه الانسانية.
زرع الثقة بين الشعوب والانظمة السياسية قد يمكن الانظمة من اتخاذ خطوات جادة نحو هذه الاصلاحات، كما ان مشاركة المجتمع الحقيقية والفعالة سوف يعود بالنفع على الانظمة نفسها وعلى استقرار الوضع الداخلي. مثل هذا المسار التدريجي سوف يمكن الدول العربية بدعم من المجتمعات من مواجهة الضغوط الاجنبية الداعمة للصهيونية العالمية، ويكون لها صوت في ما سوف تنجم عنه هذه الحرب الاعلامية والسياسية والقانونية. التحدي هو كيف نكسر الحلقة المفرغة التي تضعف الامة حكومات وشعوب ومن اين نبدأ؟ هل هو اصلاح فكري طويل الامد؟ ام اصلاح اقتصادي سريع يستفيد منه الجميع، ام اصلاح سياسي يشرك المجتمعات في العملية السياسية؟ هذا اسئلة كان ينبغي ان تطرح منذ منتصف الخمسينات وقبل حروب الخليج وقبل 2011 وتتناوله الشعوب والحكومات بالتحليل والتفكير. هل يمكن طرح هذه الاسئلة الان بعد ان ساءت الاوضاع العربية وضعفت؟ وهل يمكن للامة ان تواصل المسيرة في القرن الواحد والعشرين وهي مازالت مثقلة بتركات الماضي؟ هل هناك ما يكفي من الثقة بين الحكومات والشعوب، وبين الدول العربية لمعالجة الوضع العربي فكريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا؟ وهل يمكن بدون هذا التوجه الدخول في معركة وجودية مع العدو الصهيوني وداعميه الغربيين؟
يختلف الوضع العالمي الان عن ما كان عليه قبل 7 اكتوبر. هذا الوضع يحتاج الى معالجة ومطالبات عربية تختلف عما كانت قبله. ماكان مطروحا على الطاولة هو حل الدولتين بناء على قرارات الامم المتحدة. فهل هذا الحل يمكن ان يتحقق في ظل التمرد عليه من الصهيونية العالمية والانحياز الغربي على مدى 26 سنة. وهل خيار الدولة الواحدة خيارا واقعيا بعد ما حدث؟ ام ان الهدف الاهم هو ازالة الاحتلال باي شكل كان؟ ماهي خياراتنا وسيناريوهاتنا؟ واخيرا هل يمكن ان يكون للامة العربية تاثير في المشهد العالمي وقدرة على معالجة قضية فلسطين وهي في صراع داخلي بين الحكومات والشعوب ضمن كل دولة، وصراع بين مختلف الدول العربية، وصراع مع دول الجوار والغرب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *