الحرب الإسرائيلية الأخيرة على إيران: تداعيات ودروس مستقبلية لمنطقة الشرق الأوسط

من المهم استجلاء الحدثٍ الاستراتيجي بالغ الخطورة والذي هزّ أركان منطقة الشرق الأوسط وأعاد تشكيل حساباتها الأمنية والسياسية: ألا وهو “الحرب الإسرائيلية الأخيرة على إيران”.

لقد شكّل الهجوم الإسرائيلي المباشر على الأراضي الإيرانية، رغم محدوديته النسبية من حيث النطاق والنتائج المعلنة، “نقطة تحول فارقة” في تاريخ الصراع المعقد والمتعدد الطبقات بين الدولتين. لقد اخترق هذا التصعيد خطاً أحمر ظلّ قائماً لعقود، وهو مبدأ الردع المتبادل والهجمات بالوكالة، ليرسخ حقيقة جديدة على الأرض: “إمكانية المواجهة المباشرة”. هذا الحدث لم يكن مجرد تبادل عسكري عابر؛ بل كان بمثابة زلزال جيوسياسي كشف هشاشة التوازنات القائمة وعمق الانقسامات، وطرح أسئلة مصيرية عن مستقبل الأمن والاستقرار في منطقتنا.

لقد جاءت هذه الحرب في سياق متوتر أصلاً، مشحون بصراعات إقليمية ممتدة، وتنافس على النفوذ، وبرامج أسلحة تثير القلق، وغياب آليات حوار وحل نزاعات فاعلة. وهي لم تترك أثراً في إيران وإسرائيل فحسب، بل أحدثت ارتدادات عميقة في كل عاصمة من عواصم المنطقة، من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، مروراً بمراكز القوى الرئيسية. لقد رأينا ردود أفعل دولية متباينة، ومخاوف من اتساع رقعة الصراع، وتأثيرات مباشرة على خطوط الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، ناهيك عن التكلفة الإنسانية الكامنة التي تلوح في الأفق في أي مواجهة كبرى.

وكعادتها حرصت جمعية تجمع الوحدة الوطنية لتكون على مستوى المسؤولية، بإقامة ندوة لهذا الموضوع بمشاركة نخبة من الخبراء والمحللين الاستراتيجيين المرموقين للاستماع الى رؤاهم الثاقبة وتحليلاتهم العميقة، من الكويت: الأستاذ الدكتور محمد الرميحي، ومن مصر: الأستاذ الدكتور محمد ادريس – أستاذ العلوم السياسية – مستشار مركر الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومن البحرين: الأستاذ المهندس عبدالله الحويحي – عضو المكتب السياسي – التجمع الوحدة الوطنية، والاستاذة فوزية رشيد – كاتبة صحفية، أديبة وروائية وقاصة. واستهدفت الندوة إلى:

1. تحليل التداعيات متعددة الأبعاد: عسكرياً، وسياسياً، واستراتيجياً، واقتصادياً، وحتى نفسياً على شعوب المنطقة.

2. فهم الدوافع والاستراتيجيات: ما الذي دفع الكيان الإسرائيل لاختراق الحاجز النووي؟ كيف قرأت إيران التصعيد وردّت عليه؟ وما دور الحلفاء والإقليميين في هذه المعادلة؟

3. استخلاص الدروس المستفادة الحاسمة: وهذا هو المحور الأهم. ما الذي تعلمناه عن فعالية الردع وحدوده؟ مخاطر التصعيد غير المحسوب؟ دور القوى الدولية والإقليمية؟ مستقبل الصراعات بالوكالة؟ الحاجة الملحة لبناء أنظمة أمن إقليمية؟ هل يمكن تأسيس إطار للحوار والأمن الجماعي (بين دول المجلس وايران) مقابل الكيان الاسرائيلي وحلفائها الدول الغربية وعلى راسها أمريكا، يمنع تكرار الكارثة؟ ثمن غياب الحلول السياسية؟ كيف تؤجج القضايا العالقة (كالقضية الفلسطينية والبرنامج النووي الإيراني) البيئة للانفجار؟

وأكدت مداولات الندوة حقيقة لا لبس فيها أن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق تاريخي. لقد كشفت تلك المواجهة، رغم قصرها، عن هشاشة الأمن الإقليمي، وعمق الانقسامات، والثمن الباهظ الذي تدفعه شعوبنا جراء سياسات التصعيد والمواجهة. واستخلصنا دروساً قاسية كما يلي:

1. وهم الأمن من خلال الهيمنة: لقد أثبتت الأحداث أن الاعتماد الكلي على قوى خارجية، أو السعي للهيمنة الإقليمية، لا يبني أمناً مستداماً، بل يغذي سباق التسلح ويجعل الانفجار حتمياً.

2. تفتت النظام الإقليمي: غياب أطر أمنية جماعية فاعلة ومستقلة جعل المنطقة ساحة لتصفية الحسابات وعرضة لتدخلات خارجية.

3. ثمن إهمال الحلول السياسية: استمرار تعقيدات القضايا الجوهرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والخلافات حول البرامج النووية وحدود النفوذ، هو الوقود الدائم لنيران الصراع.

4. ترابط الأمن والرخاء: لا استقرار سياسياً دون تنمية اقتصادية، ولا ازدهاراً اقتصادياً دون أمن حقيقي. الحرب الأخيرة كانت تذكيراً صارخاً بهذه الحقيقة.

ولتكون على مستوى المسؤولية، رفعت الجمعية رسائل وتوصيات إلى قادتنا الكرام في المنطقة: لبناء شرق أوسط للأجيال القادمة انطلاقاً من هذه الدروس، وبتواضع يليق بحجم التحدي، وهي كالتالي:

أولاً: التوجه نحو أمن إقليمي متوازن ومستقل:

• بناء نظام أمني إقليمي تشاركي: حان الوقت لإنشاء إطار أمني إقليمي شامل يقوده أبناء المنطقة، مبني على مبادئ الأمن الجماعي والضمانات المتبادلة واحترام السيادة، وليس على تحالفات خارجية أحادية الجانب. هدفه منع الصراع، لا إدارته أو استثماره. 

• تنويع التحالفات وعدم الاعتماد على طرف واحد: يجب التحرر من الهيكلة الأمنية الأمريكية الأحادية المهيمنة. هذا يتطلب بناء شراكات متعددة الأقطاب (دولياً وإقليمياً) وتعزيز القدرات الذاتية في مجالات الدفاع والاستخبارات والإنذار المبكر، مع الحفاظ على الاستقلالية في صنع القرار. 

• إرساء قواعد للتهدئة وضبط التصعيد: وضع آليات واضحة وسريعة للاتصال المباشر في الأزمات، و”خطوط ساخنة” دائمة، وقواعد سلوك تحد من التصعيد المتهور وتجنب الانزلاق للحرب.

•  تعزيز التكامل الخليجي كنموذج رائد: تسريع وتيرة التحول إلى اتحاد خليجي حقيقي – اقتصاديًّا وعسكريًّا – ليكون نواة صلبة للأمن والاستقرار الإقليمي. 

o اقتصاديًّا: تعزيز السوق الموحدة، والبنية التحتية المشتركة، والاستثمار في سلاسل إمداد إقليمية تحقق الاكتفاء الاستراتيجي.  

o عسكريًّا: تطوير قوة دفاع خليجية موحدة فاعلة وقادرة على الردع الجماعي، مع توحيد أنظمة القيادة والسيطرة والاستخبارات، والاستثمار في صناعة دفاعية خليجية مشتركة. هذا النموذج المتكامل سيكون قاطرة للتنمية وقوة ضاغطة للحلول السلمية. 

ثانياً: إعطاء الأولوية القصوى للحلول السياسية:

• إعادة إطلاق مسارات دبلوماسية جادة: حل النزاعات الجذرية بالحوار وليس بالقوة. هذا يعني استئناف مفاوضات جادة لحل القضية الفلسطينية، وإحياء الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) أو إيجاد بديل مقبول إقليمياً ودولياً، وفتح قنوات مباشرة بين الأطراف المتخاصمة.

• احترام القانون الدولي وسيادة الدول: التوقف عن انتهاكات السيادة عبر الهجمات المباشرة أو العمليات بالوكالة. احترام الحدود والاتفاقيات الدولية هو حجر الزاوية لأي نظام أمني.

ثالثاً: الاستثمار في التنمية والرخاء المشترك:  

• تحويل موارد الصراع إلى موارد للبناء: يجب تحويل المليارات التي تُهدر على سباقات التسلح غير المجدية نحو الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، والطاقة المتجددة، وخلق فرص العمل للشباب.

• تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي: إزالة الحواجز غير الضرورية، وتسهيل التجارة البينية، وإقامة مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة، والمياه، والاتصالات، والنقل. الاقتصادات المتشابكة تخلق مصلحة راسخة في السلام.

• حماية الأجيال القادمة: وضع سياسات مستدامة للحفاظ على الموارد (مثل المياه، البيئة) وضمان مستقبل كريم للشباب. الأمن الحقيقي هو أمن الإنسان في غذائه، وصحته، وتعليمه، وكرامته.

ختاما، نحن أمام منعطف خطير. دروس هذه الحرب القصيرة المدمرة في دلالاتها يجب أن تكون نبراساً نستضيء به لتفادي مستقبل أكثر قتامة. لا يمكن لمنطقتنا أن تتحمل المزيد من الحروب والدمار. الحوار، مهما كان صعباً، والاحتواء، ومأسسة الأمن، واحترام القانون الدولي، والسعي الجاد لحل النزاعات الجذرية، ليست خيارات ترف، بل هي ضرورات حتمية لبقائنا جميعاً. الشرق الأوسط يتطلب جرأة في تبني نماذج جديدة.  الاتحاد الخليجي المتكامل اقتصاديًّا وعسكريًّا ليس حلمًا؛ بل هو ضرورة استراتيجية وإمكانية عملية يمكن أن تشكل أقوى حائط صد ضد الفوضى، وأفضل ضمانة للازدهار المشترك. ندعوكم إلى استثمار اللحظة الراهنة لبناء هذا الصرح القوي، الذي سيكون حجر الزاوية في أي نظام أمني إقليمي مستقل ومستدام. شعوبنا تتوق إلى السلام وتستحق العيش بكرامة. لنعمل معًا – بدءًا من تعزيز التكتلات الإقليمية الواعدة مثل الخليج – لتحويل منطقتنا من ساحة صراع إلى فضاء تعاون وازدهار، خصوصا مع الجارة ايران. هذا هو الإرث الأخلاقي والاستراتيجي الذي نتطلع إليه لأجيالنا القادمة.  

د. علي الصوفي – نائب رئيس التجمع للشؤون السياسية.