العلاقة بين الديمقراطية والتنمية

قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2007 اعتبار 15 من سبتمبر اليوم العالمي للديموقراطية والاحتفال فيه بهدف تعزيز مبادئ وقيم الديمقراطية المشتركة، التي وردت في الاعلان العالمي للديمقراطية على انها هدف يقوم على قيم مشتركة، ودعت للتمسك بها واعتبارها حق لكل مواطن، يمارسه في ظروف من الحرية والمساواة والشفافية والمسئولية، مع احترام التعددية في الرأي والمصالح وحق الجميع في المشاركة السياسية والمساءلة. دعونا نناقش قضية علاقة الديمقراطية بالتنمية، وطرح السؤال هل هناك علاقة بين الديمقراطية والتنمية وما طبيعة هذه العلاقة؟

قبل مناقشة هذا السؤال دعنا نحدد المقصود بالتنمية. التنمية هنا تقاس بمدى تأثيرها في حياة جميع الناس ورفع مستواهم المعيشي وجودة حياتهم بقدر مقبول من المساواة مجتمعيا، وتنمية قدراتهم الفكرية والمعرفية والابتكارية والانتاجية. وان تكون غايتها الارتقاء بالانسان وتحقيق تقدم المجتمع وازدهاره. في هذا السياق فان التنمية الاقتصادية هي عنصر من عناصر منظومة التنمية الشاملة المستدامة بابعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والبيئية. 

فكرة ان التنمية الاقتصادية تقود الى تحولات في الممارسة السياسية (او العكس) يعود الى مفهوم التقدم في عصر الانوار في اعمال ادم سميث وتورجوت وغيرهم من فلاسفة التنوير. كما يذهب البعض الى ربط الديمقراطية بالتنمية الى ارسطو الذي ربط الحكم الرشيد بالمساواة (الناتجة من التنمية) وليس بالرخاء، وكذلك فعل الرومان من بعده. ورأى ماركس ودوركهايم جذور الحداثة الاجتماعية والسياسية في الثورة الصناعية، وعزا اخرون توسع الديمقراطية البريطانية الى التقدم الاقتصادي في الطبقة الوسطى والضعيفة، بالاضافة الى تاثير ظهور المطبعة وانتشار الفكر الليبرالي والبروتستانتي في القرن الخامس والسادس عشر، وما صاحبها من توسيع التعليم والتغيرات الثقافية وانتشار الدعوة للقيم الديمقراطية.

في توصيف هذه العلاقة وردت اراء عدة تقول بوجود علاقة من نوع ما. اول هذه الاراء يقول بوجود علاقة سببية بين الديمقراطية والتنمية، وتعود هذه العلاقة الى ان التنمية تُحدث تحول هيكلي طبقي في المجتمع، تتسع فيه الطبقة العاملة والمتوسطة، يُمَكِّنهم ذلك من تنظيم انفسهم مما يجعل من الصعب استبعادهم من المشاركة السياسية. 

رأي ثان يقول بان التنمية تتطلب نموا اقتصاديا مستداما ناتج عن تضافر عدة عوامل مثل التكنولوجيا، رأس المال البشري، الانتاجية الكلية، الادخار والاستثمار المحلي والخارجي في اطار العولمة والتجارة العالمية. وهذا في نظره يحتاج الى مستوى من الحوكمة والاستقرار السياسي يصعب تحقيقه بدون مستوى فاعل من الديمقراطية. اي ان العلاقة ترابطية، اي ان الديمقراطية تعزز الادارة المؤسسية الملتزمة بقواعد المساءلة المجتمعية والشفافية واخضاع السياسات لنقاش جماعي ومشاركة في القرار والمكاسب، وكذلك تكرس الالتزام بقواعد حقوق الملكية الفردية والحقوق المدنية. ينتج عنها رفع قدرة السلطات في حماية الحقوق، ووضع الاستراتيجيات وادارة السياسات بكفاءة اعلى، وسن القوانين الداعمة للتنمية وتوزيع المكاسب بعدالة ومساواة تعزز الامن والاستقرار.

رأي ثالث يرى انه بالرغم من كثرة الدراسات الا ان الاطار النظري الحاسم في ربط الديمقراطية بالتنمية لم يتبلور بعد. غير انه يؤكد بان التنمية قد تؤدي الى تحول ديمقراطي، وفي نفس الوقت يمكن للمؤسسات الديمقراطية الناضجة ان تساعد في التنمية الاقتصادية. ويقدم مفهوم النضج المؤسسي لدعم ربط التنمية بالتحول الديمقراطي. ويعرِّف المؤسسات الناضجة بتلك التي “تعتمد التخطيط، قياس الاداء، نظم المعلومات، والنظم الادارة منهجا لها. وتقوم باجراء الدراسات الموضوعية، وتلتزم معيار الكفاءة في التعيين وفي تنمية القدرات”. يتفق هذا الرأي مع ما ذهب اليه فرنسيس فوكوياما (Political Order and Political Decay, 2014) بان التنمية تُحدث حراكا اجتماعيا وتقود الى شيوع وتكريس افكار متعددة عن المساواة والعدالة والحرية والعقلانية كما كانت في العهد الاغريغي، وتشكيل جماعات تشترك في المصالح وتلتزم هذه الافكار وتعزز حكم القانون وشرعية النظام وتؤدي مع الوقت الى الدولة القوية الملتزمة بالحوكمة والمؤسسات الفاعلة الناضجة؛ وان تَشكُّل الدولة القوية مؤسسيا قبل التحول الديمقراطي ضمان لعدم اختطاف الديمقراطية من قبل فئات معينة، وفي نفس الوقت ينبغي الحذر من ان تقوم الدولة القوية بتأخير قيام الديمقراطية، او منعها في بعض الحالات.

رأي رابع لم يجد علاقة بين مستوى الدخل والتحول نحو الحداثة، ويقدم خط بديل للعلاقة بين التنمية والتحول الديموقراطي وهي “المؤسسات التشاركية”. يرى ان الدول التي اعتمدت مؤسسات تشاركية (مشاركة في المكاسب ومشاركة في القرار) على المدى الطويل طورت اقتصاد منتج وديموقراطية ثابتة، بينما الدول التي غلبت فيها “المؤسسات الاقصائية” التي تستبعد شرائح من المجتمع من المشاركة في المكاسب وصنع القرار لم تحقق تنمية ولا ديموقراطية، لكنه لم يؤكد ايهما سبب للاخر، اي انها علاقة ترابط. 

واخيرا دراسة شملت عدة دول توصلت الى ان التنمية الاقتصادية (مقاسة بارتفاع مستوى الدخل والتعليم) يمكن ان تتنبأ بالتحول الديموقراطي والاستقرار، خصوصا على المدى المتوسط (10-20 سنة).

هذه الاراء الناتجة عن ابحاث تؤكد ان النظام الديمقراطي سواء كان بعلاقة مباشرة سببية او علاقة ترابط او علاقة تنبؤ ترجيحي، فانه يدعم النظام السياسي ويحقق تنمية يستفيد منها غالبية المجتمع ويقود الى التقدم والازدهار المادي والروحي والمعنوي. 

يبين التاريخ على مدى 200 سنة انه كلما زادت الدولة ثراءا كلما اتجهت نحو الديموقرطية واصبح احتمال التراجع نحو السلطوية اقل حدوثا. فمثلا في القرن السادس عشر تقدمت جمهورية هولندا واصبحت دولة عظمى لها مستعمرات بالرغم من صغر حجمها، كذلك الحال مع انجلترا التي سبقتها في التحول الديمقراطي والثورة الصناعية وسيطرت على مناطق كبيرة من العالم. هذا النجاح الاقتصادي كان مصدره تحول “ديمقراطي” سياسي ومن ثم فكري بروتستانتي اعطى النخب الاقتصادية موقعا اكبر على طاولة التفاوض مع الحكم والتاثير في السياسات والقوانين.

كذلك تمثل المانيا وايطاليا واليابان مثالا على دول حققت نموا اقتصاديا، لكن لم يستقم نجاحها مع النظام السياسي، وسرعان ما انهار وتحولت نحو الديمقراطية. اما الصين فانها لا تمثل استثناءا حيث انها مازالت، من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي، تعتبر متوسطة الدخل (اقل من 15,000 دولار). وقد تصل الى ما يسمى مصيدة الدخل المتوسط (middle income trap)، وهناك من يرى انها بحاجة الى انفتاح لتحرير الفكر واطلاق الابتكار وزيادة الانتاجية وتحقيق مساواة اكبر في الدخل واكثر عدالة ليخلق زخما في المجتمع وقفزة نحو تجاوز “مصيدة الدخل المتوسط”. غير ان النظام السياسي يتوجس حاليا من الانفتاح، على الاقل في المدى المنظور، وخصوصا في المدن الرئيسية. ووفق رجل الاعمال داليون ري فان قيادتها تدرك ذلك، ووضعت استراتيجيتها بعيدة الامد على اساس السعي نحو التحول الديمقراطي.

خلاصة ذلك، ان هناك علاقة بين الديمقراطية والتنمية، وهذه العلاقة اما انها سبب في احداث التنمية او عامل مساعد كبير، وفي المقابل هناك تاثير للتنمية على التحول الديمقراطي. كذلك نستخلص ان الديمقراطية لها تاثير كبير على نجاح التنمية من حيث استفادة معظم فئات المجتمع من التنمية وبالتالي تحقق ازدهارا واستقرارا اكبر يساهم بدوره في تعزيز التنمية وتكريس الديمقراطية والارتقاء بالمجتمع وقد يمنع التراجع عن الديمقراطية. لكن ماهي الاليات التي تُحدث هذه العلاقة ومحدداتها؟ 

لهذه العلاقة آليات وعوامل يتم التأثير المتبادل من خلالها. بالنسبة لعوامل تاثير الديمقراطية في التنمية، فان اول هذه العوامل قدرة الدولة على وضع الاستراتيجيات التنموية والاصلاحية وتنفيذ السياسات والقوانين ضمن مبدأ المنافسة والمساواة في الحقوق والواجبات. قدرة الدولة في وضع السياسات وتنفيذها مرتبط بكفاءة مؤسساتها والتزامها بقيم المساءلة والمحاسبة المجتمعية والمساواة امام القانون. حيث ان سلامة السياسات تعتمد على مدى الاستعداد للمشاركة وتشجيع النقد والحوار ومداولة مختلف الاراء واعادة النظر في السياسات والقوانين لضمان ملاءمتها مع المتغيرات التي تطرأ على المجتمع ومع الواقع السياسي والاقتصادي والفكري.

ثانيا، وقد يكون الاهم هو مستوى التعليم ودوره في بناء رأس المال البشري وتكوين مهارات تتناسب مع التغيرات المستقبلية للقرن الواحد والعشرين وخصوصا التفكير العلمي المنطقي وتشجيع الفكر النقدي الفلسفي والتحليل وحل المشاكل وقبول الاختلاف والتنوع. وهذا يعني بالدرجة الاولى الاهتمام بالتعليم وعدم تطويعه لخدمة اغراض سياسية او تكريس فكر معين قد لا ينسجم مع متطلبات التنمية. 

يرتبط بالتعليم، العامل الثالث وهو حرية البحث العلمي واستقلال الجامعات وحريتها في نشر نتائج الابحاث ايا كانت توجهاتها وخصوصا في العلوم الانسانية. هذا يستوجب توفر المعلومات لاجراء دراسات تحلل اداء اجهزة الدولة المختلفة ونقدها وتقديم خيارات للاصلاح والتغيير والتطوير. 

رابعا، مساهمة المجتمع ومنظماته المهنية واحزابه السياسية ونقاباته العمالية في مناقشة القضايات والسياسات وتقييمها وعرضها للمساءلة والنقاش والحوار الفعال. خامسا، يمكن للديمقراطية ان تقلص الفوارق في الثروة وفي النفوذ والتاثير السياسي. وجود الفوارق الاقتصادية الكبيرة تخل بالتوازن المجتمعي وتدعم التوجهات المتطرفة والشعبوية والتوترات السياسية وعدم الاستقرار وبذالك تدفع في اتجاه تقويض جهود التنمية. العامل الاخير هو كفاءة السوق في توزيع المنافع والتنافسية في تخصيص الموارد وارساء المناقصات وعدم خضوعها للاعتبارات السياسية والعلاقات العصبوية والشخصية. 

هذه كانت عوامل تاثير الديمقراطية في التنمية. اما آليات تاثير التنمية في الديمقراطية فيمكن اختصارها في ثلاث آليات. اولا التصنيع وتاثيره على المجتمع. حَوَّل التصنيع المجتمع من افراد يعملون في الزراعة والحرف اليدوية او المكاتب الخدمية الى جماعات كبيرة تعمل في مصانع تشترك في مصالح تجعلها في تواصل شبه مسمتر في المصانع والشوارع والمدن، غير معتمدين على ملاك اراضي او على رجال الدين. مَكَّنهم هذا التواصل من تشكيل اتحادات ونقابات عمالية تعمل على دعم مصالحها مما حَفَّز الحكومات على منحهم حقوق سياسية. 

ثانيا التعليم؛ التنمية تخلق طلب على التعليم لتشغيل مكائن الانتاج ومكاتب الخدمات وبيروقراطية الحكومات والارتقاء الاجتماعي ويحفز الابداع والابتكار ويعزز قيم المساواة والشفافيه. يقول احد الكتاب ان انتشار الديمقراطية بين 1870 الى 2000 كان بسبب الزيادة في التعليم. يخلق التعليم سوق للصحافة والاعلام التي تحفز التفكير النقدي في التعامل مع قضايا المجتمع وخلق وعي جمعي يؤمن بالقيم والحقوق والتعددية وتشكيل المعارضة المنظمة الصحية، وقدرة على تنظيم الرأي العام. والتعليم بدوره يرفع المطالبة بالحقوق والمشاركة السياسية والاقتصادية.

ثالثا تغيير في طبيعة العمل مع تقدم الحداثة. اعتمدت المراحل الاولى من التصنيع على التكرار والرتابة، نَمَّت بذلك الانضباط والتحزب. الان في اقتصاد المعرفة ازدات الحاجة للابتكار والفردانية والمرونة. اصبح العامل يتعامل مع الناس والمعلومات بدلا من الالة. في هذه الحالة تبرز قيم الفرد الذي يعبر عن نفسه اكثر من التعبير الجماعي. يتعاظم بذلك السعي للحرية الفردية، حرية الاختيار والمشاركة السياسية، متبوعا بالمطالبة بالديموقراطية لصون الحقوق. 

في نهاية المطاف قدرة مكونات المجتمع على التاثير في وضع السياسات وسن القوانين تعتمد على مدى مساهمتها في التنمية، وفي تمويل ميزانية الدولة، وبالتالي دعم الاستقرار القائم والتقدم. الديمقراطية تقوم على القدرة التفاوضية بين مختلف المصالح في المجتمع. ضعف اي طرف يضعف قدرته التفاوضية، ويؤخر التحول الديمقراطي وبالتالي تتاثر التنمية وقد تتراجع. 

اذا نحن في دائرة مغلقة يمكن ان تكون حميدة واحتمال تكون خبيثة. نجاح التنمية يمكن ان تعزز التحول الديمقراطي وفشل التنمية يغذي التراجع الديمقراطي، وهذا عادة ما يقود الى الفقر والبطالة وكذلك الى التطرف والاضطرابات والارهاب والصراع السياسي. ينتج عنه تقييد الحريات وبخس الحقوق، وتراجع الهوية الوطنية وصعود الولاءات الفرعية. تقود هذه بدورها الى مزيد من التخلف التنموي والديمقراطي، واحتمالات الانفراد بالرأي.

الدكتور محمد الكويتي