تُعدّ حركة جيل Z المغربي، التي اندلعت في سبتمبر 2025 تحت مسمّى “ جيل Z 212″، محطة مفصلية في تاريخ التحولات الاجتماعية والسياسية في المغرب المعاصر. هذه الحركة لا تمثّل انفجارًا عابرًا للغضب، بل تجسيدًا لتحوّل بنيوي عميق في الوعي الجمعي لجيلٍ وُلد رقميًا ونشأ في فضاء اتصالي مفتوح، يرى ذاته فاعلًا لا متلقيًا، ومواطنًا عالميًا لا محليًا فقط.
الإطار الاجتماعي للانفجار
عرف المغرب خلال السنوات التي سبقت احتجاجات 2025 أزمةً مركّبة تمسّ التعليم والصحة ومستوى المعيشة. فعلى الرغم من أن ميزانية التعليم والصحة بلغت نحو 118 مليار درهم (16% من الإنفاق العام)، فإن التدهور الهيكلي في جودة الخدمات كان واضحًا.
بلغ عدد التلاميذ أكثر من 8.2 ملايين مقابل 299 ألف معلم، وتجاوزت الكثافة الصفية 40 طالبًا في بعض المدن، بينما لم يتجاوز عدد الممرضين 41,600 أي 1.1لكل ألف نسمة، وهو رقم بعيد عن المتوسط العالمي (3.86). تعمّق الشعور العام بعدم العدالة الاجتماعية، إذ أفادت تقارير متعددة أن40% من السكان يعيشون في فقر أو هشاشة. وهكذا تبلورت لدى جيل Z قناعة بأن السياسات العمومية لم تعد قادرة على ضمان العدالة المعيشية.
إنّ الحادثة المأساوية في مستشفى الحسن الثاني بأغادير، التي أودت بحياة ثماني نساء أثناء الولادة، تحولت إلى رمز لانهيار المنظومة الصحية. لكنها كانت في جوهرها نتيجة تراكم الإحباطات اليومية التي يعيشها المواطنون، خصوصًا فئة الشباب التي تتواصل عبر شبكات رقمية أكثر مما تتفاعل عبر مؤسسات الدولة. لقد مثّلت الواقعة نقطة التقاء بين الألم الاجتماعي والوعي الرقمي، فحوّلت الفضاء الإلكتروني إلى محرّك احتجاجي حقيقي.
البنية الاقتصادية للأزمة
يُظهر تحليل المؤشرات الاقتصادية أن الأسباب المعيشية كانت الوقود الأساسي للحراك. فقد بلغ معدل البطالة العام 12.8%، في حين وصلت بطالة الشباب إلى 35.8 % ، وارتفعت في المدن إلى نحو 50 %. أكثر من خُمس خريجي الجامعات بلا عمل، وقرابة 42 % من الشباب يفكرون بالهجرة. ورغم تسجيل نمو اقتصادي بنحو 4.6 % ، فإن العائد ظلّ محصورًا في الفئات العليا، ما عمّق فجوة التوزيع الطبقي.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على تدني الدخل، بل بانهيار الأمل في العدالة الاقتصادية؛ إذ تُضَخ الاستثمارات في الملاعب والمهرجانات استعدادًا لكأسي إفريقيا والعالم، بينما تتدهور القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم.
بذلك، غدت الأزمة الاقتصادية “أزمة أمل” قبل أن تكون “أزمة دخل”، وأصبح الشعور بالتهميش الاقتصادي منطلقًا للمطالبة بإعادة ترتيب أولويات التنمية الوطنية.
ثالثًا: الأزمة السياسية وأزمة التمثيل
انعدام الثقة بالمؤسسات هو المحور السياسي الأبرز في تحليل الظاهرة. أظهرت استطلاعات “الباروميتر العربي” (2024) أن 70% من الشباب المغربي لا يثقون بالأحزاب، وأن 64% يرون الانتخابات بلا جدوى.
هذا الانقطاع عن القنوات التقليدية جعل الشباب يبحث عن بديل تمثيلي في الفضاء الرقمي. وهكذا تشكّلت حركة “ جيل Z 212″ بلا قيادة حزبية تقليدية، أو هرم تنظيمي، معتمدة، عوضًا عن ذلك، على آليات تصويت إلكتروني فوري على تطبيقات مثل Discord، ما يدل على انتقال المشاركة السياسية من القاعة الحزبية إلى الشاشة الشخصية.
ويشير هذا إلى تحوّل نوعي في مفهوم المواطنة: من مواطنة “الولاء للمؤسسة” إلى مواطنة “المشاركة الرقمية.”
الهوية الاتصالية للحركة
يتميّز “ جيل Z 212″ بكونه أول جيل “رقمي بالفطرة”، يتعامل مع التكنولوجيا كامتداد لوعيه الاجتماعي. هذه السمة جعلت الحركة المغربية 2025 أول احتجاج عربي مؤدلج بالتقنية لا بالأيديولوجيا.
فجاءت شعاراتها تقول “لا نحتاج كأس العالم… نحتاج كرامة إنسانية” – “لا تطالب بإسقاط النظام، بل بإصلاحه”. كما حرصت بياناتها الرقمية على تأكيد الولاء الوطني واحترام المؤسسة الملكية، مما يعكس نضجًا سياسيًا جديدًا يقوم على الإصلاح لا القطيعة. بهذا المعنى، تعدّ الحركة نموذجًا لما يمكن تسميته “الاحتجاج الإصلاحي”، الذي يوازن بين النقد والولاء، ويطالب بالاعتراف دون الانفصال عن الدولة.
التحليل البنيوي والدلالات الإصلاحية
تظهر دراسة الأسباب المتشابكة، أن الاحتجاجات نتاج تفاعل أربع بنى متوازية:
- البنية الاجتماعية: انهيار الخدمات العمومية، تآكل الطبقة الوسطى، وانفصال الخطاب الرسمي عن الواقع المعيشي.
- البنية الاقتصادية: بطالة مرتفعة، تضخم معيشة، وغياب العدالة في توزيع الثروة.
- البنية السياسية: ضعف الأحزاب والمؤسسات التمثيلية، واستبعاد الشباب من صنع القرار.
- البنية النفسية–الاتصالية: المقارنة الدائمة عبر الشبكات مع مجتمعات أكثر رفاهًا، وغياب التواصل الحكومي الفعّال.
هذه العوامل كوّنت حالة من الوعي النقدي الجماعي، جعلت الجيل الجديد يستخدم المنصات الرقمية كبديل عن البرلمان والنقابات، ما أعاد تعريف “الفضاء العام” في السياق العربي.
المقارنة مع تجارب عربية سابقة
بخلاف الربيع العربي (2011) الذي رفع شعارات سياسية كبرى، جاءت حركة “ جيل Z 212″ بشعارات اجتماعية واقعية.
لقد سعى الربيع العربيإلى إسقاط الأنظمة فأسفر عن فوضى، أما “ جيل Z 212″ فيسعى إلى ترميم العلاقة مع الدولة من خلال الضغط السلمي. تغيّر أيضًا وسيط التعبئة: من فيسبوك وتويتر إلى تيك توك وديسكورد، أي من منابر الخطاب إلى شبكات الفعل.
إنها نقلة من الثورة إلى الإصلاح، ومن الانفعال إلى التنظيم الشبكي، وهو ما يعكس تطورًا في وعي الأجيال العربية حيال مفهوم السلطة والمشاركة.
نحو مقاربة عربية شاملة
أوصت التحليلات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز عربية ودولية بضرورة التعامل مع الظاهرة بمقاربة ثلاثية: سياسية، اجتماعية، اقتصادية.
• سياسيًا: تأسيس مجالس وطنية للشباب بنسبة تمثيل لا تقل عن 25٪، وتوسيع فضاءات التعبير الرقمية المنظمة بدل الرقابة العقابية.
• اجتماعيًا: إصلاح منظومتي التعليم والتدريب وربطهما بسوق العمل، وتشجيع الاقتصاد الاجتماعي وتمويل المشاريع الناشئة.
• اقتصاديًا: إطلاق “صندوق عربي للجيل الرقمي” يمول مبادرات الشباب بنسبة 1٪ من استثمارات الصناديق السيادية، وتحفيز التحول نحو اقتصاد المعرفة والعمل الحرّ.
كما تبرز ضرورة تبنّي مقاربة اتصالية جديدة، قوامها الصراحة والشفافية بدل التبرير، والانتقال من مراقبة المحتوى إلى فهمه وتحويل الغضب إلى مشاركة.
الدروس والعِبر العربية
تكشف التجربة المغربية أن الإصلاح الذكي أقل كلفة من القمع، وأن إشراك الشباب في الحوار المؤسسي يحوّلهم من طاقة احتجاجية إلى طاقة اقتراحية.
” جيل Z 212″ العربي يتشارك القيم نفسها: وعي بالفساد، رفض البطالة، وإيمان بالمواطنة الفاعلة. وإذا لم تُستوعب مطالبه في قنوات مؤسسية، فقد تتكرّر الظاهرة في دول أخرى، ولكن بأشكال أكثر نضجًا وأقل صدامية.
نحو عقد اجتماعي جديد
تحتاج الدول العربية إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على قاعدة الاعتراف والمشاركة، بدلًا السيطرة والعقاب.
جيل Z لا يسعى لإسقاط النظام، بل لتجديد العقد الاجتماعي بحيث يُعترف به كشريك حضاري في بناء الدولة. ذلك يتطلب إصلاح التعليم والإعلام والحوكمة المحلية وتخصيص مقاعد للشباب في المجالس المنتخبة، بما يضمن العدالة والشفافية والمساءلة.
خاتمة
تُظهر التجربة المغربية أن الاحتجاج لم يكن ضد الدولة، بل ضد غيابها عن الحوار. جيل Z يطالب بالاعتراف لا بالمكافأة، وبالإصلاح لا بالانفجار. إنه جيل يقيس شرعية الأنظمة بمدى استماعها له لا بقدرتها على إسكات صوته. تلك الحركة ليست خطرًا أمنيًا، بل فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الثقة بين الأجيال والدولة في العالم العربي.
فالفضاء الفاصل بين الشارع والمكتب هو مساحة الإصلاح الحقيقية، حيث تتقاطع ثقة المواطن مع إرادة الدولة لبناء المستقبل المشترك.
عبيدلي العبيدلي
تجمع الوحدة الوطنية جمعية سياسية بحرينية تأسست عام 2011م