لم يعد الصمود الاقتصادي في دول الخليج يعني مجرد امتلاك احتياطيات مالية تُستخدم عند هبوط أسعار النفط، بل أصبح قدرة شاملة على امتصاص الصدمات، واستمرار الخدمات والإنتاج، ثم التكيف السريع وتحويل الاضطراب إلى فرصة للنمو. فالتوترات الجيوسياسية، وتعطل الممرات البحرية، وتنافس القوى الكبرى على التقنية والمواهب، وتذبذب الطاقة، كلها تكشف أن التنمية المستدامة لا تُبنى على الكفاءة وحدها، بل على المرونة وتعدد البدائل. ومن هنا يصبح الصمود محركا للتنمية لأنه يحمي الاستثمار والوظائف والثقة، ويمنح الحكومات والشركات وقتا ومساحة لاتخاذ قرارات رشيدة بدلا من الاستجابة المرتجلة للصدمات.
وفق مجموعة بوستون الاستشارية (BCG) تقوم مقومات الصمود على ستة عناصر مترابطة: مالية عامة منضبطة واحتياطيات وسيولة كافية؛ اقتصاد متنوع في الإنتاج والصادرات والإيرادات؛ بنية تحتية موزعة ذات مسارات احتياطية؛ سلاسل إمداد آمنة ومخزونات استراتيجية؛ قوة عمل ماهرة قابلة لإعادة التأهيل؛ ومؤسسات سريعة القرار تعتمد البيانات واستشراف المخاطر. ولا تتحقق هذه العناصر تلقائيا، بل باختبارات ضغط دورية للميزانيات والمصارف والموانئ وشبكات الماء والطاقة والاتصالات، وبخطط استمرارية أعمال تُحدد البدائل والمسؤوليات، وبمؤشرات إنذار مبكر تربط التطورات السياسية بتأثيرها المحتمل في الغذاء والدواء والنقل والتمويل. اي منظومة متكاملة من السياسات والجهات المنفذة.
ويتطلب تفادي المفاجأة وضع استراتيجية تعتمد خيارات متعددة تشمل تنويع الموردين ومصادر التمويل والأسواق، وتوسيع الربط البري وخطوط الأنابيب والموانئ البديلة، وحماية البنية الرقمية والأمن السيبراني، وبناء احتياطيات للسلع الحرجة، واستثمار متنوع، وإبرام اتفاقات تجارة توسع الوصول إلى الأسواق. كما ينبغي اعتماد موازنات متوسطة الأجل بسيناريوهات مختلفة لأسعار النفط، وتوجيه المشتريات الحكومية نحو المحتوى المحلي والخليجي، وإنشاء آليات خليجية مشتركة لتبادل المعلومات والاستجابة للأزمات.
أما الركائز الخمس لنموذج النمو الخليجي فهي الطاقة، ورأس المال، والواردات وسلاسل الإمداد، والعمالة والمواهب، والبوابات اللوجستية والتجارية. ويجري تعزيز ركيزة الطاقة بالانتقال من تصدير الخام والغاز إلى مزيد من التكامل في التكرير والبتروكيماويات والتخزين والتجارة والطاقة المتجددة. وتُعزز ركيزة رأس المال بإعادة موازنة استثمارات الصناديق السيادية بين العائد المالي وبناء القدرات المحلية، مع اشتراط نقل المعرفة وفتح الأسواق. وفي ركيزة الإمداد، تتجه الأولوية إلى تعدد المصادر وتوطين الصناعات الحيوية، ولا سيما الغذاء والدواء وأشباه الموصلات والمعدات. وفي العمل، المطلوب جذب الكفاءات العالمية والاحتفاظ بها، مع تأهيل المواطنين للقطاعات الحرجة وأتمتة الأعمال الروتينية. أما اللوجستيات فتتقوى بربط الموانئ والمطارات والطرق والسكك وشبكات الطاقة والبيانات في منظومة إقليمية لا تعتمد على نقطة اختناق واحدة.
لكن الاضطرابات تبرز تحديات عميقة في نموذج العمل الخليجي؛ مثل، الاعتماد النسبي على عوائد الطاقة، وكثافة العمالة الوافدة، واستيراد التقنية، وتمركز بعض المرافق وسلاسل الامداد، إضافة إلى تنافس دول المنطقة على الاستثمارات والمواهب ذاتها. كما أن التوطين المتسرع قد يرفع التكلفة أو يكرر الطاقات الإنتاجية، في حين قد تؤدي حماية الأسواق إلى إضعاف الابتكار. لذلك ينبغي أن يكون التكامل الخليجي جزءا من الحل عبر توزيع التخصصات، والاعتراف المتبادل بالمعايير، وفتح المشتريات وسلاسل القيمة أمام الشركات الخليجية، بحيث يتحول الحجم الإقليمي إلى ميزة تنافسية.
والتحول من مستهلك للتقنيات إلى منتج للمنتجات المبتكرة يبدأ بربط البحث العلمي بحاجات السوق. فدول الخليج تمتلك طلبا حكوميا كبيرا، ورأس مال صبورا، وبنية رقمية متقدمة، وتحديات محلية تصلح لتكون مختبرا عالميا في تحلية المياه، والتبريد، والطاقة النظيفة، والتقنيات المالية، والصحة، والزراعة الصحراوية، والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي العربي. المطلوب، اذا، تمويل تنافسي للبحث التطبيقي، ومختبرات تنظيمية، وحماية فعالة للملكية الفكرية، وصناديق رأس مال جريء، وسياسات شراء تمنح المنتج المحلي المبتكر فرصة تجريبية، ثم دعم الشركات للتوسع والتصدير. كما لا يجب قياس النجاح بعدد البراءات وحده، بل بحصة المنتجات المعرفية من الصادرات، ونمو الشركات القابلة للتوسع، وارتفاع الإنتاجية.
ولا يكتمل الصمود بقرار حكومي؛ فالمجتمع شريك في بنائه. فالأسرة تدعم ثقافة الادخار والتعلم المستمر وترشيد الموارد، والمدرسة والجامعة تنمي المهارات التقنية وريادة الأعمال، وتهتم ببناء شخصية مستقلة قادرة على التفكير النقدي الابداعي وتشجيع الابتكار وتقبل الاختلاف، وتحارب التعصب والادعاء بامتلاك الحقيقة. والشركات تطبق إدارة المخاطر وتستثمر في الموظفين والموردين المحليين، فيما توفر الجمعيات المهنية والأهلية شبكات تطوع ومساندة وقت الأزمات. وللإعلام دور في نشر المعلومة الموثوقة ومقاومة الشائعات، وللمواطن دور في تبني المنتجات الوطنية المجدية والمشاركة في الحوار حول الأولويات. وتحتاج المنشآت الصغيرة والمتوسطة بصورة خاصة إلى تمويل مرن وتأمين وتدريب ومنصات مشتريات، لأنها الأكثر تعرضا للصدمات والأسرع في خلق الحلول والوظائف.
وخلاصة الأمر أن الصمود الاقتصادي ليس تكلفة احترازية، بل استثمار في نمو أكثر استقرارا وعدالة. وعندما تجمع دول الخليج بين الانضباط المالي، والتنوع الإنتاجي، والبنية (التحتية والخدمات الرئيسية) الموزعة جغرافيا، والأمن التقني والغذائي، والإنسان المبدع، فإنها لا تحمي مكتسباتها فحسب؛ بل تنتقل من اقتصاد يتلقى التقلبات إلى اقتصاد يصنع الخيارات، ومن مشترٍ للابتكار إلى منتج له. والاختبار الحقيقي هو أن تستمر الشركات والخدمات والثقة أثناء الأزمة، وأن تخرج المنطقة منها بقدرات وأسواق ومنتجات أفضل مما كانت عليه قبلها.
الدكتور محمد عيسى الكويتي
تجمع الوحدة الوطنية جمعية سياسية بحرينية تأسست عام 2011م