إيران … ودول الخليج العربي

(كيف اعادوك وهذا اثر فاسك !!!)٠

في اللحظة التي اتضحت نتيجة العدوان الصهيوني – الأميركي على ايران ، فجر 28 فبراير 2026، بمقتل عدد من القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين، وعلى رأسهم المرشد الإيراني، علي خامنئي، أطلقت إيران سلسلة من الاعتداءات التي استهدفت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست.
وجاء الرد الإيراني على الهجوم الامريكي الصهيوني ، عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت مواقع ومنشآت عسكرية ومدنية واقتصادية في دول الخليج، بهدف رفع تكلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها، وإحداث صدمة للاقتصاد العالمي بما يؤدي إلى وقف الحرب.
وجاءات هذه الاعتداءات من طهران لتدخل اقتصادات دول الخليج مرحلة جديدة من الضغوط التي جعلت من مضيق هرمز نقطة اختناق رئيسية أمام اقتصادات تعتمد بدرجات متفاوتة على صادرات الطاقة واستيراد السلع.
ولا تقتصر انعكاسات الحرب والاعتداءات الايرانية على أسواق النفط والغاز، بل امتدت إلى مجموعة من المؤثرات الاقتصادية، من بينها النمو والموازنات العامة والاستثمارات والمشروعات الكبرى، فضلاً عن حركة الملاحة وسلاسل الإمداد والطيران والسياحة والتجارة.
ومع اتساع رقعة الحرب الأمريكية -الإيرانية عبر المنطقة خلال عدة شهور مضت، وتحمّل الدول الخليجية القسط الأكبر من تبعات الهجمات الإيرانية الهادفة إلى توزيع كلفة الحرب وزيادة رقعتها، والضغط على واشنطن لوقف هجومها. إذ لم يقتصر الردّ الإيراني على المجال العسكري المباشر، بل شمل استهداف البنية التحتية للطاقة، ومسارات الشحن البحري وشبكات الطيران. والنتيجة أن الاستقرار الإقليمي بات مهدداً إلى جانب رأس المال الاقتصادي والمكانة الدولية التي بنتها الدول الخليجية بصبر وعناية على مدى عقود.
وقد اتسمت مواقف ايران بخصوص استهداف دول الخليج العربية بالتناقض؛ ففي حين نفت جهات إيرانية مسؤوليتها عن الهجمات ضد جيرانها، حاولت جهات إيرانية أخرى تبرير الهجمات بأنها لا تستهدف هذه الدول، بل القواعد العسكرية الأميركية الموجودة على أراضيها، كما حاولت جهات إيرانية ثالثة التبرؤ من المسؤولية زاعمةً أنها لا تسيطر على الجهات التي تشن الهجمات !!. وقد عبّر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عن هذه المقاربة صراحة، مؤكدًا أن إيران لا تهاجم جيرانها في الخليج، بل تستهدف الوجود الأميركي في أراضيهم، وقال: “لا يمكن لنا أن نضرب هدفًا في الولايات المتحدة، لذلك علينا أن نستهدف قواعدهم في المنطقة”.
وبلغ التناقض الإيراني ذروته حينما اعتذر الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، عن استهداف دول الخليج العربية، وتعهد بعدم مهاجمتها مستقبلًا بشرط عدم استخدام أراضيها منطلقًا للهجوم على إيران، لكن ايران استأنفت بعد ساعات من هذا الإعلان هجماتها على قطر والبحرين والإمارات والسعودية والكويت؛ وهو ما يشير إلى عدم سيطرة النخبة السياسية على الحرس الثوري الإيراني..
أما السيناريو (الأكثر تشاؤماً) فيتمثل في حرب طويلة الأمد تنجح خلالها إيران في إغلاق مضيق هرمز بالكامل ، واستدراج دول مجلس التعاون إلى انخراط عسكري مباشر، بما ستكون له تبعات يصعب تقديرها، إذ إن خروج نحو خُمس إمدادات النفط العالمية من السوق سيشكّل صدمة غير مسبوقة في الاقتصاد لعالمي. وبالنسبة إلى الدول الخليجية، التي كانت تتوقع أصلاً اتساع العجز المالي، فإن الجمع بين الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية وتراجع ثقة المستثمرين وارتفاع الإنفاق العسكري الطارئ قد يخلق ضغوطاً مالية كبيرة..
وتقع دول “مجلس التعاون الخليجي” في قلب هذه العاصفة الأمنية، حيث يهدد التصعيد غير المسبوق التوازن الدقيق الذي حافظت عليه هذه العواصم لسنوات عبر اتفاق ضمني يحيّد أراضيها عن الصراعات المباشرة. إن تحول المواجهات الإقليمية إلى أزمات مفتوحة يضيّق مساحات المناورة الدبلوماسية، ويفرض على “مجلس التعاون ” مواجهة واقع يهدد بنيته التحتية الحيوية. ومن أبرز التداعيات هنا، تغيّر دور القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في المنطقة، إذ تحولت من مظلة تأمين إلى نقاط جذب للتوترات، مما يعرّض الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية لمخاطر مباشرة.
وأمام هذه التحديات المتسارعة، تفرض الضرورة السياسية على دول الخليج تبني خيارات فورية وحاسمة، تبدأ بالانتقال من مرحلة التعاون الى مرحلة الاتحاد الخليجي، وتسريع وتيرة التكامل العسكري بين الدول الست لتشكيل منظومة ردع ذاتي مستقلة، وتطوير دفاعات تكنولوجية متقدمة لمواجهة تهديدات المسيّرات والهجمات السيبرانية، بالتوازي مع تعزيز دبلوماسية مرنة متعددة الأطراف. لقد أثبتت المعطيات الراهنة أن الاعتماد الحصري على الضمانات الأمنية الخارجية لم يعد كافيا لتأمين المصالح السيادية، مما يجعل بناء هندسة أمنية إقليمية جديدة واجبا استراتيجيا للحفاظ على الخليج كمركز ثقل اقتصادي وسياسي عالمي.
ووسط هذه الضغوط، قالت وكالة فيتش إن اقتصادات دول الخليج أظهرت قدرا من الصمود منذ اندلاع الحرب، لكنها حذرت من أن هذا الصمود قد يتعرض لاختبار حقيقي إذا تصاعدت العمليات العسكرية مجددا أو طال أمد تعطل النشاط الاقتصادي، ما قد يزيد الضغوط على التصنيفات الائتمانية خلال الفترة المقبلة مقارنة بما شهدته حتى الآن ، وبحسب صندوق النقد الدولي، لم تبق تداعيات الحرب بين أميركا وإيران محصورة في اضطراب إمدادات الطاقة، بل امتدت لتضغط على كامل المنظومة الاقتصادية في المنطقة.
الخلاصة انه من خلال توسيع نطاق الحرب لتشمل دول الخليج العربية، تسعى إيران لربط مصير المنطقة بها، ورفع تكلفة الحرب على واشنطن وحلفائها، وإرباك الاقتصاد العالمي؛ للضغط من أجل وقف الحرب من دون تحقيق أهدافها، المتمثلة في إسقاط النظام أو إخضاعه. وتأمل ايران أن تمارس دول الخليج بدورها – نظرًا إلى تأثرها المباشر بالصراع – ضغوطًا على واشنطن في هذا الاتجاه، لكن قدرة دول الخليج على الضغط على واشنطن محدودة، كما أن الهجمات الإيرانية أدت إلى رد فعل معاكس استنفرت رأيًا عامًا خليجيًا غاضبًا ضد إيران بسبب اعتداءاتها. ومن ناحية أخرى، ظهرت بوادر تحوّل علاقة دول الخليج الاستراتيجية بالولايات المتحدة إلى عبء أمني واقتصادي وسياسي عليها، بدلًا من أن تكون ميزة لها. وفضلًا عن ذلك، من الواضح أن العلاقات الإيرانية – الخليجية لن تعود إلى ما كانت عليه سابقا.

الأستاذ ابراهيم العيسى