شكل اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران في فبراير 2026 نقطة تحول كبرى، إذ نقلت التفاعل الإقليمي من أطر الردع والعقوبات والمسار الدبلوماسي المتعثر إلى مواجهة عسكرية شاملة أعادت تشكيل التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية عالمياً. ولم تكن هذه الحرب نتاج متغير مفرد، فالملف النووي، رغم أنه وفّر الذريعة القانونية والسياسية الأكثر حضوراً، لم يفسر بمفرده توقيت العمليات أو اتساع نطاق أهدافها. لقد تداخلت الأزمة النووية مع انهيار اتفاق عام 2018، وسياسات «الضغط الأقصى»، وتصاعد الرغبة الأمريكية والإسرائيلية في كسر منظومة الردع الإيرانية، وتقويض قدراتها الصاروخية والبحرية، وتحجيم شبكات نفوذها الإقليمي.
وتكشف العمليات أن الحرب استهدفت البنية الشاملة للقوة الإيرانية بهدف فرض قواعد جديدة للمساومة. ومع ذلك، أظهرت المواجهة تقاطعاً لا تطابقاً بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية؛ فبينما تحركت إسرائيل بدافع القضاء على تهديد وجودي وأمني يمس أمنها المباشر على المدى الطويل، كانت واشنطن تدير شبكة أوسع وأكثر تعقيداً من الحسابات تشمل أمن الخليج، واستقرار أسواق الطاقة الدولية، وتفادي استنزاف مخزوناتها العسكرية ومنظومات الاعتراض في ظل التنافس المحتدم مع الصين والحرب القائمة في أوروبا.
وفي المقابل، جاء السلوك الدبلوماسي لكل من بكين وموسكو محكوماً بمصالحهما الحيوية دون انخراط عسكري مباشر. فالصين—التي تستقبل مع آسيا نحو 80% من نفط مضيق هرمز—واجهت معادلة دقيقة تقتضي منع سقوط إيران تحت هيمنة أمريكية كاملة من جهة، وتفادي حرب طويلة تضر بإمدادات الطاقة وعلاقاتها الوثيقة مع دول الخليج من جهة أخرى، وهو ما دفعها للشراكة مع باكستان في طرح مبادرات للتهدئة واستعادة الملاحة. أما روسيا، فقد رأت مكاسب نسبية في تشتيت الانتباه الأمريكي وارتفاع أسعار النفط، إلا أنها تجنبت الصدام المباشر وظلت أولويتها العسكرية والاستراتيجية منصبة على الساحة الأوكرانية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أثبتت الأزمة أن كلفة ضرب إيران لا يمكن عزلها داخل حدودها. فتحول مضيق هرمز—الذي يعبره نحو عشرين مليون برميل يومياً—إلى بؤرة توتر لم يؤد فقط إلى اضطراب تدفقات الطاقة، بل خلّف صدمة ممتدة عنوانها «عدم اليقين الملاحي».ولم يكن الخطر محصوراً في الإغلاق المادي المؤقت للمضيق، بل في عجز الأسواق العالمية عن تسعير المخاطر؛ مما قفز بأقساط التأمين إلى مستويات قياسية وعطّل استثمارات وسلاسل إمداد حيوية شملت الغاز والديزل والأسمدة، وتسبب بأضرار بالغة حتى للدول المصدرة كالتعطل الذي أصاب جانباً من صادرات الغاز القطري. كما تأكد أن خطوط الأنابيب البديلة قد تخفف الاختناق، لكنها لا تقدم تعويضاً كاملاً ولا تتمتع بحصانة تامة ضد الاستهداف.
في خضم ذلك، لفت ميناء «جوادر» الباكستاني الأنظار كمنفذ استراتيجي خارج المضيق مرتبط بالممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني. ورغم أهميته الجيوسياسية المتنامية للصين وباكستان، فإن الورقة تحذر من اعتباره بديلاً جاهزاً أو مكافئاً لمضيق هرمز أو للموانئ الخليجية الكبرى؛ فبنيته التحتية وتحدياته الأمنية في إقليم بلوشستان تجعل دوره محصوراً كعقدة مكملة للترانزيت وإعادة الشحن والخدمات اللوجستية، لا بديلاً استراتيجياً مستقلاً.
تطرح هذه الديناميكيات عدة سيناريوهات مستقبلية تتراوح بين تسوية مرحلية تبدأ بحماية الملاحة وضمان الرقابة النووية، أو الدخول في هدنة غير مستقرة تستمر فيها الحروب الاقتصادية والاستنزاف، وصولاً إلى تسوية شاملة تعالج ملفات الصواريخ والردع والأمن الخليجي.
وتخلص الورقة إلى أن توقف دوي المدافع لا يعني نهاية الأزمة. إن أمن الممرات الاستراتيجية يفرض اليوم إعادة تعريف مفاهيم الجهوزية، بحيث تستعد الدول لانقطاعات ممتدة عبر تنويع المسارات وتعزيز المخزونات الوقائية. فالسؤال الجوهري لم يعد يدور حول من يملك القدرة على تعطيل الممرات البحرية، بل من يستطيع صياغة نظام أمني واقتصادي إقليمي يحول أمن الملاحة الدولية إلى مصلحة مشتركة تضمن استقرار التجارة والسيادة لجميع الأطراف.
الأستاذ عبيدلي العبيدلي
تجمع الوحدة الوطنية جمعية سياسية بحرينية تأسست عام 2011م