معركة الأعشار ومستقبل خريجي الثانوية في البحرين
حين يحصل طالب على معدل 100% فمن الطبيعي أن نفخر به. لكن عندما تتزايد الدرجات الكاملة والمعدلات القريبة منها عامًا بعد عام، يصبح السؤال متعلقًا بالمقياس نفسه: هل ما زالت نسبة الثانوية قادرة فعلًا على التمييز بين الطالب الممتاز والطالب الاستثنائي؟
في العام السابق حصل طالب واحد على 100%، وفي العام الأخير ارتفع العدد إلى ثلاثة، كما بلغ عدد الطلبة الحاصلين على 99% فأعلى نحو 300 طالب وطالبة. وهذه أرقام تستحق التقدير، لكنها تستحق أيضًا الدراسة. فحين يُحشر مئات المتفوقين في نطاق لا يتجاوز نقطة مئوية واحدة، قد يصبح عُشر الدرجة هو الفاصل بين بعثة وأخرى، رغم أن هذا العُشر لا يعكس بالضرورة فرقًا حقيقيًا في المعرفة أو الاستعداد الجامعي.
المشكلة ليست في الطالب الذي استحق 100%، ولا يصح اتهام المدارس أو المعلمين بتضخيم الدرجات بلا دليل. لكن ظاهرة «تضخم الدرجات» معروفة تربويًا، وتعني ارتفاع الدرجات بوتيرة لا يواكبها بالضرورة ارتفاع مماثل في المهارات والتحصيل. وإثباتها في البحرين يحتاج إلى مقارنة معدلات المدارس بنتائج الامتحانات الوطنية واختبارات القبول والأداء الجامعي. المطلوب إذن ليس الشك في المتفوقين، بل اختبار دقة أداة القياس نفسها.
الحكومي والخاص: موازين مختلفة
تزداد المشكلة حساسية عندما يتنافس خريجو المدارس الحكومية والخاصة على البعثات نفسها. فبعض المدارس الخاصة يعتمد شهادات IB وCambridge وA-Level التي تقوم بدرجات متفاوتة على امتحانات وتصحيح ومراجعة خارجية، بينما يعمل خريج المدرسة الحكومية ضمن النظام الوطني الذي يجمع بين تقييمات المدرسة والامتحانات الوزارية والوطنية (والتي لم تطبق كاملة الى الاًن). لهذا لا يقف جميع المتنافسين أمام اختبار وطني واحد إلزامي عند التقدم للبعثات.
وهنا تبرز المفارقة: نحن نحوّل شهادات وأنظمة تقويم مختلفة إلى نسب مئوية، ثم نتعامل مع أعشار هذه النسب كما لو كانت فروقًا علمية دقيقة بين الطلبة. فهل الطالب الحاصل على 99.8% في نظام ما أفضل حتمًا من طالب حاصل على 99.6% في نظام آخر؟ وهل من العدل أن تحسم هذه الأعشار بعثة جامعية مرتفعة الكلفة في تخصص كالطب؟
الأهم أن وزارة التربية نفسها لا تعتمد المعدل وحده في بعض برامجها الانتقائية. فعند اختيار طلبة برنامج البكالوريا الدولية في المدارس الحكومية، دخلت اختبارات الإنجليزية والرياضيات والعلوم والمقابلة والأداء الأكاديمي والأنشطة ضمن عملية الاختيار. وإذا كان المعدل المدرسي وحده لا يكفي لاختيار طالب لبرنامج متقدم، فمن باب أولى ألا يكون العامل شبه الحاسم في بعثة جامعية تنافسية.
نحو مؤشر وطني للخريج
الحل ليس جعل الامتحانات أصعب لمجرد خفض الدرجات، ولا منع الطالب المستحق من الحصول على 100%. المطلوب هو ألا نعطي الرقم أكثر مما يحتمل. ويمكن الانتقال من الاعتماد شبه الكامل على «معدل الثانوية» إلى «مؤشر وطني للخريج»، بحيث يشكل المعدل المدرسي جزءًا من التقييم، إلى جانب امتحان وطني مستقل واختبار قدرات واستعداد للتخصص، وربما مقابلة منظمة للتخصصات الأكثر تنافسًا.
كما ينبغي، عند المنافسة على البعثات الحكومية، أن يخضع خريجو الحكومي والخاص لمعيار وطني مشترك، من دون إلغاء قيمة IB أو A-Level أو الشهادة الحكومية. وظيفة هذا المعيار أن يكون «المسطرة المشتركة» التي تسمح بمقارنة عادلة بين أنظمة مختلفة.
انشروا الأرقام.. وستتضح الحقيقة
ومن المهم كذلك نشر تقرير سنوي يبين العلاقة بين معدلات كل مدرسة ونتائج طلبتها في الاختبارات الوطنية المستقلة. فإذا ارتفعت الدرجات المدرسية وارتفع معها الأداء المستقل، فهذا دليل على تحسن حقيقي يستحق الإشادة. أما إذا ارتفعت المعدلات بينما بقي الأداء المستقل ثابتًا أو تراجع، فهناك خلل يحتاج إلى مراجعة.
الـ100% ليست المشكلة
السؤال ليس: لماذا حصل ثلاثة طلبة على 100%؟ بل: هل ما زال نظامنا قادرًا على التمييز العادل بين مئات الطلبة الذين يقتربون جميعًا من الدرجة الكاملة؟
حين يصبح عُشر الدرجة قادرًا على تغيير مستقبل طالب، بينما يختلف نظام التقويم من مدرسة إلى أخرى، تصبح مراجعة آلية التقييم ضرورة لحماية المتفوقين والمال العام وعدالة البعثات ومصداقية الشهادة البحرينية.
ليس المطلوب أن نجعل 100% مستحيلة. المطلوب أن نجعلها تعني ما تقوله فعلًا: تفوقًا استثنائيًا يمكن إثباته أمام أكثر من ميزان، وليس أمام رقم واحد فقط.
دكتور علي الصوفي
تجمع الوحدة الوطنية جمعية سياسية بحرينية تأسست عام 2011م