بين الوصف والتوظيف السياسي: قراءة في مصطلح الإسلام السياسي

هل يعبر المصطلح عن ظاهرة سياسية محددة، أم أن استخدامه تجاوز الوصف إلى إنتاج أحكام مسبقة وإقصاء بعض الفاعلين السياسيين؟

كثيراً ما يُستخدم مصطلح “الإسلام السياسي” في الخطاب الإعلامي والسياسي المعاصر بوصفه مفهوماً بديهياً لا يحتاج إلى تعريف أو نقاش، بينما يظل هذا المصطلح محل جدل واسع حول دلالاته وحدوده وأهداف استخدامه. فهل هو مجرد توصيف أكاديمي لتيارات سياسية تستلهم المرجعية الإسلامية؟ أم أنه تحوّل في بعض السياقات إلى أداة للتعميم والإقصاء السياسي؟

في الأصل، الإسلام دين وعقيدة ومنظومة قيم أخلاقية وحضارية، بينما السياسة نشاط بشري يتعلق بإدارة الشأن العام وتنظيم العلاقات داخل الدولة وخارجها. وعندما يشارك أفراد أو جماعات ذات مرجعية إسلامية في العمل السياسي، فإنهم لا يخرجون عن القاعدة العامة التي تنطبق على أصحاب المرجعيات الفكرية أو الدينية الأخرى، إذ إن العمل السياسي بطبيعته مجال مفتوح للتنافس بين مختلف الرؤى والتوجهات.

وإذا كان المقصود بمصطلح “الإسلام السياسي” الإشارة إلى جماعات تسعى إلى الوصول إلى السلطة لتطبيق تصوراتها الخاصة للدولة والمجتمع، فإن هذا الوصف لا يقتصر على تيار بعينه، بل يمكن أن ينطبق على حركات وأحزاب تستند إلى خلفيات قومية أو ليبرالية أو اشتراكية أو دينية مختلفة. فالرغبة في التأثير على المجال العام وصناعة القرار ليست حكراً على فئة دون أخرى، بل هي جوهر العمل السياسي ذاته.

ومن هنا يبرز التساؤل: لماذا يُستخدم هذا المصطلح على نطاق واسع عند الحديث عن المسلمين، بينما لا يحظى بالانتشار ذاته عند الحديث عن أتباع ديانات أخرى يمارسون النشاط السياسي انطلاقاً من قناعاتهم الدينية أو الأخلاقية؟ هذا السؤال لا ينفي وجود المصطلح أو حضوره في الأدبيات الأكاديمية، لكنه يفتح باب النقاش حول مدى حياده، وحول الفارق بين الاستخدام الوصفي والاستخدام الذي قد يحمل في طياته أحكاماً مسبقة أو نزعة إقصائية.

وفي التجارب السياسية الحديثة، سواء استندت إلى مفهوم الشورى أو إلى الديمقراطية بمفهومها المعاصر، فإن المرجعية النهائية في إدارة الدولة تكون للقوانين والمؤسسات والدساتير التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وفي الأنظمة الدستورية، لا تُفرض التشريعات من خارج الإرادة العامة، بل تمر عبر آليات سياسية وقانونية يشارك فيها المجتمع بمختلف فئاته واتجاهاته.

لذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في الخلفية الفكرية أو الدينية لمن يمارس السياسة، بل في مدى التزامه بقواعد الدولة والقانون والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق المواطنين على اختلاف معتقداتهم وانتماءاتهم. فالمشكلة لا تكمن في المرجعية الفكرية بحد ذاتها، وإنما في أي مشروع سياسي يحاول احتكار الحقيقة أو مصادرة حقوق الآخرين أو تجاوز الأطر الدستورية والقانونية.

إن التنوع الديني والفكري والأيديولوجي داخل الوطن الواحد حقيقة إنسانية لا يمكن تجاوزها. ولا يملك أي مكوّن من مكونات المجتمع امتيازاً أصيلاً على غيره ما دام الجميع شركاء في المواطنة والحقوق والواجبات. وعلى هذا الأساس، يصبح الدستور والقانون والاحتكام إلى الإرادة العامة إطاراً جامعاً ينظم الاختلاف ويمنع تحوله إلى صراع أو إقصاء متبادل.

أما ما يُعرف بمصطلح “الإسلام السياسي”، فهو مصطلح أكاديمي وسياسي متداول في الدراسات الحديثة، وقد ساهم عدد من الباحثين الغربيين في ترسيخه وتطويره، إلا أن الجدل لا يزال قائماً حول دقته وحدوده ومدى حياده. فبين من يراه وصفاً علمياً لظاهرة سياسية، ومن يراه إطاراً فضفاضاً يُستخدم أحياناً للتعميم أو التشويه، يبقى النقاش مفتوحاً حول المصطلح نفسه أكثر من كونه نقاشاً حول حق الأفراد والجماعات في المشاركة السياسية.

وخلاصة القول إن التحدي الحقيقي ليس في تصنيف الفاعلين السياسيين وفق مرجعياتهم الفكرية أو الدينية، بل في ضمان التزام الجميع بقواعد العدالة والمساواة والمواطنة وسيادة القانون. فحين تكون هذه المبادئ هي المرجع، يصبح الاختلاف السياسي جزءاً طبيعياً من التنوع المجتمعي، لا تبريراً للإقصاء والتخوين .

عبدالحكيم سلمان الصبحي